منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
موقع يا حسين  
موقع يا حسين
الصفحة الرئيسية لموقع يا حسين   قسم الفيديو في موقع يا حسين   قسم القرآن الكريم (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم اللطميات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم مجالس العزاء (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم الأدعية والزيارات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم المدائح الإسلامية (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم البرامج الشيعية القابلة للتحميل في موقع يا حسين
العودة   منتديات يا حسين > الحوار الإسلامي > منتدى الفقه
اسم المستخدم
كلمة المرور
التّسجيل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم جعل جميع المنتديات مقروءة

 
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 25-03-2017, 05:17 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

القرآن الثقل الأكبر

القرآن الثقل الأكبر
إنّ البيئة المعايشة للمسلمين لم تلوَّث إلى هذا الحد الذي تلوثت به اليوم من سحب سوداء متراكمة وقطع الليل المظلم.
صحيح أننا نجد القرآن ومنذ الخطوات الأولى التي تلت تحوّل الخلافة الإسلامية إلى السلطنة الطاغوتية وقد تحوّل في الواقع إلى زائدة كمالية، وخرج بشكل رسمي وإن لم يكن ذلك بشكل اسمي عن المجال الحياتي للمسلمين، إلاّ أن ما حدث في جاهلية القرن العشرين من خلال عمل الأجهزة السياسية والإعلامية المعقدة، يعدُّ أخطر من ذلك بمراتب، وأكثر بعثاً على القلق بلا ريب.
ولكي يُعزل الإسلام عن الحياة، فإنّ أكبر وسيلة وأكثرها أثراً هي إخراج القرآن عن المجال الذهني والقلبي والعملي للأُمة الإسلامية. وهذا بالتأكيد ما عمل له المتسلطون الأجانب والعملاء الداخليون لهم، سالكين هذه السبيل عبر الاستعانة بشتى الأنماط والوسائل.
إنّ القرآن وهو (حسب تعبيره هو) الكتاب المقدس، والنور، والهدى، والفرقان بين الحق والباطل، والحياة، والميزان والشفاء، والذكر؛ لا تتم له هذه الخصال بشكلٍ عملي إلاّ إذا تمّ قبل كل شي‏ء استيعابه فهماً، وتطبيقه عملاً.
لقد كان القرآن في عصر الحكم الإسلامي في الصدر الأول، هو القول الفصل والكلمة الأخيرة، وحتى كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإنه يجب أن يعرض عليه. وكان حَمَلَة القرآن، يتمتعون بمكانة مرموقة في المجتمع بعد أن كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد أعطى الأمة التعليم القائل: "أشراف أُمتي، أصحاب اللّيل وحَمَلَة القرآن".
لقد كان استيعاب القرآن علماً وعملاً، يشكل قيمة واقعية. فللعثور
6
على حلّ‏ٍ لكل مشكلة حياتية يجب الرجوع إلى القرآن، ولقد كان القرآن ملاك قبول أيّ حديث، أو أسلوب، أو مدّعى، ومعياره. كان عليهم أن يعرفوا الحق والباطل من وجهة نظر القرآن ليشخصوا نماذجهما ومصاديقهما في ميدان الحياة.
ومنذ فقدت القوى الحاكمة على المجتمعات المسلمة القيم الإسلامية واغتربت عنها ورأت في القرآن وهو الناطق بالحق وفرقان الحق والباطل عقبة في سبيلها، بدأ السعي الحثيث لإبعاد كلام الله عن ميدان الحياة، ووُجد عقيب ذلك الفصل بين الدين والحياة الاجتماعية، والتفريق بين الدنيا والآخرة، والتقابل بين المتدينين الواقعيين وأهل الدنيا المقتدرين، وأُبعد الإسلام عن مركز إدارة مجالات الحياة الاجتماعية للمجتمعات المسلمة، ليقتصر على المساجد والمعابد والبيوت وزوايا القلوب، وهكذا وُجد الفصل بين الدين والحياة بكل ما عاد به من خسارة وعلى المدى الطويل.
ومن الطبيعي أن القرآن قبل أن يتمّ الهجوم الواسع للمتسلّطين الغربيين الصليبيّين والصهاينة وإن لم يكن موجوداً في المجال الحياتي بالمعنى الحقيقي إلاّ أنه كان يحتل مكانة في أذهان المسلمين وقلوبهم على تفاوت بينهم في ذلك غير أن الهجوم الصليبي الصهيوني في القرن التاسع عشر لم يستطع أن يتحمّل حتى هذا القدر أيضاً. إنهم لا يستطيعون أن يتحمّلوا وجود القرآن الذي يصدر بكل وضوح أمر: ﴿وأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ﴾، ويصدح بقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلى المُؤْمِنينَ سَبِيلاً﴾، القرآن الذي يريد للمؤمنين أن يكونوا إخوة فيما بينهم، أشداء غضاباً على
7
أعدائهم، مثل هذا القرآن لا يمكن أن يتحمّله المتسلطون الساعون للسيطرة على أزمّة أُمور المسلمين، ونهب كل شي‏ء لديهم.
إنّ هؤلاء المتسلطين أدركوا بكل وضوح أن القرآن رغم هذا الحضور غير الكامل في حياة الأمة، لن يسمح لتسلُّطهم ونفوذهم أن يسلكا سبيلهما المنشودين، لذا فقد وضعوا خطة حذف القرآن بشكل كامل، وطبيعي أن لا تمتلك ولن تمتلك هذه الخطة تطبيقاً عملياً، ذلك أن اللَّه تعإلى قد وعد الأُمة الإسلامية بحفظ القرآن دائماً على أننا لا نستطيع أن نغض النظر عن نتائج ذلك السعي الواسع الأبعاد الذي تمّ من قبلهم بهذا الصدد.
ألقوا اليوم نظرة على ميدان حياة المسلمين، فأين تجدون القرآن؟ هل تجدونه في أجهزة الحكومات؟ أو في النظم الاقتصادية؟ أو في تنظيم العلاقات والمناسبات بين الناس بعضهم مع البعض الآخر؟ في المدارس والجامعات؟ في السياسة الخارجية والعلاقات بين الدول؟ في تقسيم الثروات الوطنية بين فئات الشعب؟ في أخلاقية المسؤولين في المجتمعات الإسلامية وكل فئات الشعوب التي تتأثّر بهم قليلاً أو كثيراً؟ في السلوك الفردي للحكام المسلمين؟ في العلاقات بين الرجل والمرأة؟ في الأرصدة المصرفية؟ في أنماط المعاشرة؟ في أي مكان من الحركة العامة والاجتماعية للناس؟ ولنستثنِ من كل هذه الميادين الحياتية المساجد والمآذن وأحياناً بعد البرامج التي لا تُعد شيئاً من الإذاعات رياءً وخداعاً لعامة الناس. ولكن هل جاء القرآن لهذا فقط؟ لقد كان السيد جمال قبل مئة سنة يَبكي ويُبكي لهذا الأمر، حيث عاد القرآن يقتصر على الإهداء والتزيين والتلاوة في المقابر والوضع على
8
الرفوف.. ولكن ماذا حدث في المئة سنة هذه؟ ترى ألا يبعث وضع القرآن لدى الأُمة الإسلامية على القلق؟
إنّ الحديث كلّه يتركز على أن القرآن، كتاب حياة الإنسان؛ إنسان اللانهاية، الإنسان المتكامل، الإنسان ذي الأبعاد، الإنسان الذي لا حدّ لتكامله، إنّ هذا الهادي والمعلم للإنسان قادر على أن يرعاه في كل العصور، وأن نظام الحياة اللائق بالإنسان، إنما يتعلّمه الإنسان من القرآن لا غير، وأن الأساليب التي يجب أن يتبعها ليرفع عن كاهله أنواع الظلم، والتفرقة والفساد، والجهل، والطغيان، والانحراف، والدناءة، والخيانة التي ابتلي بها خلال تاريخه الطويل فكانت عقبة في سبيل رشده وتعاليه، كل هذه الأساليب إنّما يمكن أن تكون عملية في ظل الهداية القرآنية والمخطط الذي طرحه الكتاب السماوي للحياة الإنسانية.
إنّ العودة إلى القرآن، هي عودة إلى الحياة التي تليق بالإنسان، وهي المهمة الملقاة على عاتق المؤمنين بالقرآن، وفي طليعتهم العارفون به، والعلماء والمبلغون الدينيُّون.
وإنّ العودة إلى القرآن، شعار لو يطرح بشكل حقيقي وجدّي، لاستطاع أن يقدِّم الفارق بين الحق والباطل. كما يجب أن لا تتحمّل الشعوب الإسلامية وجود تلك القوى التي لا تريد أن تقبل مسألة العودة إلى القرآن.
إخواني المسلمين، أخواتي المسلمات.
إننا بعد أن ابتلينا كذلك بالبعد عن القرآن وأُصبنا بآثار التآمر ضد القرآن من قبل الأعداء العالميين، قد ذقنا طعم العودة إلى القرآن.
9
وإن انتصار الثورة الإسلامية العظيمة في إيران، وإقامة نظام الجمهورية الإسلامية، ليعدّان من الاثار المباركة الكبرى لهذه العودة.
إنّ هذا الشعب ليشاهد اليوم في أُفق حياته، وفي علاقاته الإجتماعية، وفي شكل حكومته ومحتواها، وفي مناقبية قادته، وفي سياسته الخارجية، وفي نظام التعليم والتربية لديه، يشاهد في كل ذلك لمعات من التعليم القرآني... إنّ الذي هبّ‏َ علينا لحد الان إنما هو نسيم في جنة القرآن.. إلاّ أن الطريق أمام السعي والحركة، ما زال مفتوحاً للوصول إلى بحبوحة هذه الجنَّة الواقعية1.
10
كتاب الله وقصته في التاريخ(1)
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض".
الحمد لله وسبحانك، اللهم صل على محمد واله مظاهر جمالك وجلالك وخزائن أسرار كتابك الذي تجلى2 فيه الأحدية3 بجميع أسمائك4، حتى المستأثر منها الذي لا يعلمه غيرك. واللعن على ظالميهم أصل الشجرة الخبيثة.. وبعد.
أرى مناسباً أن أقدم تذكيراً نفحة قاصرة عن معنى الثقلين5 لا من حيث المقامات الغيبية والمراتب المعنوية والعرفانية، فبيان من هو مثلي أعجز من أن يتجرأ على الحديث عن مقامات عرفانية أحاطت
11
بكل دائرة الوجود من المُلك6 إلى الملكوت الأعلى7 ومنه إلى اللاهوت8؛ وإن ما لا يصل إلى فهمي وفهمك هو ثقيل تحمله، فوق الطاقة إن لم أقل يستحيل، ولا من حيث ما أصاب البشرية لهجرها حقائق المقام العالي للثقل الأكبر والثقل الكبير9 الذي هو الأكبر من كل ما سواه عدا الثقل الأكبر وهو الأكبر المطلق.
ولا من حيث ما أصاب الثقلين على يد أعداء الله والطغاة المكرة، مما يصعب إحصاؤه على من هو مثلي لمحدودية الاطلاع والوقت، ولكني رأيت مناسباً أن أذكّر بإشارة عابرة مقتضية لما جرى على الثقلين، ولعل في عبارة "لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض" إشارة إلى أن كل ما ألمّ‏َ بأي من الثقلين بعد الوجود المقدس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أصاب الثقل الأخر أيضاً وإن هجر أي منهما هجر للأخر، حتى يرد هذان المهجوران الحوض على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهل أن هذا الحوض هو مقام اتصال الكثرة بالوحدة10 واضمحلال القطرات في البحر، أم هو شي‏ء آخر لا سبيل للعرفان والعقل البشري إلى إدراكه.
12
وينبغي القول: إن ما أصاب وديعتيّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، من ظلم الطواغيت هو ظلم للأمة الإسلامية، بل للبشرية جمعاء، يعجز القلم عن تبيانه، ويلزم التذكير هنا بأن حديث الثقلين11 متواتر12 بين جميع المسلمين، وقد روته كتب أهل السنة، الصحاح الستة13 وغيرها، عن الرسول الأكرم‏صلى الله عليه وآله وسلم، بألفاظ متعددة وموارد متكررة، فوصل حدّ التواتر.
فهذا الحديث حجة بالغة على البشرية جمعاء ولا سيما المسلمين بمختلف مذاهبهم فهم مسؤولون جميعاً عن ذلك بعد أن تمّت الحجة
13
عليهم، وإن كان هناك من عذر للعامة بسبب جهلهم وعدم اطلاعهم، فلا عذر لعلماء المذاهب.
ولنر الان ما جرى على القرآن هذه الوديعة الإلهية، وتركة رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم لقد شرعت نوائب مفجعة حرية أن يُبكى منها دماً بعد استشهاد الإمام علي عليه السلام14، فقد استغل عباد الأنا والطواغيت القرآن الكريم، واتخذوه وسيلة للحكومات المعادية للقرآن، وأبعدوا مفسري
14
القرآن الحقيقيين والعارفين بالحقائق الحقة ممن تعلموا القرآن كله من الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أبعدوهم بذرائع شتى، وبالقرآن، وبمؤامرات معدة من قبل، في وقت لم يزل فيه نداء "إني تارك فيكم الثقلين" مدوّياً في أسماعهم، وفي الحقيقة فقد أخرجوا القرآن الذي كان وما يزال الدستور الأعظم لحياة البشر وشؤونهم المادية والمعنوية حتى يرِدوا الحوض من الميدان، وأبطلوا حكومة العدل الإلهي وهي أحد أهداف هذا الكتاب المقدس، وأسسوا أسس الانحراف عن دين الله وكتابه والسنّة الإلهية، فبلغ الأمر حداً يخجل القلم عن تبيانه.
وكلما ارتفع هذا البنيان المنحرف ازداد الانحراف، فقد عطلوا القرآن الكريم إلى حد بدا وكأنه لا دور له في الهداية، وهو الكتاب الذي تنزل من مقام الأحدية السامي15، بالكشف16 المحمدي التام، هدى للعالمين، ومحوراً لجميع المسلمين كافة؛ بل وعموم الأسرة البشرية، والسمو بها إلى ما يجب أن تسمو إليه وإنقاذها وهي وليدة علم الأسماء17 من شرور الشياطين والطغاة.
وهو الكتاب الذي تنزّل لبسط العدل والقسط في العالم، وتسليم الحكم إلى أولياء الله المعصومين عليهم صلوات الأولين والآخرين ليفوّضوه بدورهم لمن يُضمن به صلاح الإنسانية.
وبلغ الانحراف درجة أن الحكومات الجائرة والخبثاء من فقهاء البلاط -
15
وهم أسوأ من الطغاة - اتخذوا القرآن وسيلة للظلم وترويج الفساد وتسويغ أعمال الظلمة والمعاندين لإرادة الحق تعالى، وواأسفاه أن القرآن وهو كتاب الهداية لم يعد له من دور سوى في المقابر والمآتم، بسبب الأعداء والمتآمرين والجهلة من الأصدقاء. كان الحال كذلك وما زال، فأصبح الكتاب الذي ينبغي أن يكون وسيلة لتوحيد المسلمين والعالمين، ودستوراً لحياتهم أصبح وسيلة للتفرقة وإثارة الخلاف، أو عُطّل دوره كليّاً. وقد رأينا كيف يُعتبر مرتكباً لكبرى الكبائر من ينادي بالحكومة الإسلامية ويتحدث بالسياسة. في حين أن سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، والقرآن والسنة ملأى بالنصوص المعنية بدور الإسلام الكبير في الشؤون السياسية، وأصبح وصف عالم الدين بالسياسي مرادفاً لوصفه بعدم الدين وما زال هذا الوصف موجوداً. وأخيراً الحال إلى أن تعمد القوى الشيطانية الكبرى ابتغاء محو القرآن وحفظ مطامعها الشيطانية إلى طبع القرآن بخط جميل، وتوزيعه على نطاق واسع، وتنفذ ذلك بأيدي الحكومات المنحرفة التي تتظاهر بالإسلام زيفاً، وهي بعيدة عن تعاليمه، وبهذا المكر الشيطاني تعطّل القرآن.
وقد رأينا كيف أن محمد رضا بهلوي18 طبع القرآن فاستغفل به
16
البعض، وكيف امتدحته فئة من رجال الدين جاهلة بالأهداف الإسلامية.
نحن نفخر، ويفخر شعبنا المتمسك بالإسلام والقرآن بأننا أتباع مذهب يهدف إلى إنقاذ حقائق القرآن الممتلئة دعوة إلى الوحدة بين المسلمين، بل البشرية من المقابر باعتبارها أنجع علاج منقذ للإنسان من القيود المكبلة لرجليه ويديه وقلبه وعقله، والسائقة له إلى الفناء والعدم والرق والعبودية للطواغيت.
17
عظمة القرآن(2)
إعلم أيها العزيز أن عظمة كل كلام وكل كتاب إما بعظمة متكلمة وكاتبه، وإما بعظمة مطالبه ومقاصده، وإما بعظمة نتائجه وثمراته، وإما بعظمة الرسول والواسطة، وإما بعظمة المرسل إليه وحامله، وإما بعظمة حافظه وحارسه، وإما بعظمة شارحه ومبيّنه، وإما بعظمة وقت إرساله وكيفية إرساله. وبعض هذه الأمور دخيل في العظمة ذاتاً وجوهراً19 وبعضها عرضاً وبالواسطة، وبعضها كاشف عن العظمة. وجميع هذه الأمور التي ذكرناها موجودة في هذه الصحيفة النورانية بالوجه الأعلى والأوفى؛ بل هي من مختصّاته بحيث أن أي كتاب آخر إما ألاَّ يشترك معه في شي‏ء منها أصلاً، أو لا يشترك معه في جميع المراتب.
أما عظمة متكلمه ومنشئه وصاحبه؛ فهو العظيم المطلق20 الذي جميع أنواع العظمة المتصورة في الملك والملكوت21، وجميع أنواع القدرة النازلة في الغيب22
18
والشهادة23 رشحة من تجليات24 عظمة فعل تلك الذات المقدسة، ولا يمكن أن يتجلّى الحق تعالى بالعظمة لأحدٍ وإنما يتجلى بها من وراء آلاف الحجب25 والسرادقات، كما في الحديث "إن لله تبارك وتعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة، لو كشفت لأحرقت سبحات وجهه دونه"26.
وعند أهل المعرفة قد صدر هذا الكتاب الشريف من الحق تعإلى بمبدئيّة جميع الشؤون الذاتية والصفاتية والفعلية، وبجميع التجليات الجمالية27 والجلالية، وليست لسائر الكتب السماوية هذه المرتبة والمنزلة. وأما عظمته بواسطة محتوياته ومقاصده ومطالبه فيستدعي ذلك عقد فصل على حدة، بل فصول وأبواب، ورسالة مستقلة، وكتاب مستقل حتى يسلك نبذة منها في سلك البيان والتحرير، ونحن نشير بطريق الإجمال بفصل مستقل إلى كلياته، وفي ذلك الفصل نشير إلى عظمته من حيث النتائج والثمرات إن شاء الله.
وأما عظمة رسول الوحي وواسطة الإيصال فهو جبرائيل الأمين والروح الأعظم الذي يتصل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بعد خروجه عن الجلباب البشري، وتوجيه شطر قلبه إلى حضرة الجبروت28 بذاك الروح
19
الأعظم، وهو أحد أركان دار التحقق الأربعة بل هو أعظم أركانها وأشرف أنواعها، لأن تلك الذات النورانية ملك موكل للعلم والحكمة وصاحب الأرزاق المعنوية والأطعمة الروحانية. ويستفاد من كتاب الله والأحاديث الشريفة تعظيم جبرائيل وتقدمه على سائر الملائكة.
وأما عظمة المرسل إليه ومتحمّله، فهو القلب التقي النقي الأحمدي الأحدي29 الجمعي30 المحمدي الذي تجلى له الحق تعالى بجميع الشؤون الذاتية31 والصفاتية32 والأسمائية والافعالية، وهو صاحب النبوة الختمية، والولاية المطلقة، وهو أكرم البرية، وأعظم الخليقة وخلاصة الكون، وجوهرة الوجود، وعصارة دار التحقق، واللبنة الأخيرة، وصاحب البرزخية الكبرى، والخلافة العظمى.
وأما حافظه وحارسه فهو ذات الحق جلّ جلاله، كما قال في الآية الكريمة المباركة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾33 وأما شارحه ومبيّنه فالذوات المطهرة المعصومون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى حجة العصر عجل الله فرجه34 والذين هم مفاتيح الوجود، ومخازن الكبرياء،
20
ومعادن الحكمة والوحي، وأصول المعارف والعوارف، وأصحاب مقام الجمع35 والتفصيل.
وأمّا وقت الوحي فليلة القدر36 أعظم الليالي و﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾37 وأنور الأزمنة، وهي في الحقيقة وقت وصول الوليّ المطلق والرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم.
21
القرآن جوامع الكلم(3)
وحيث أن الذات المقدسة للحق جل وعلا على حسب كل ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾38... يتجلى لقلوب الأنبياء والأولياء في كسوة الأسماء والصفات، وتختلف التجليات على حسب اختلاف قلوبهم، والكتب السماوية التي نزلت على قلوبهم بنعت الإيحاء بتوسط ملك اللوح جبرائيل تختلف على حسب اختلاف هذه التجليات وعلى حسب اختلاف الأسماء التي لها المبدئية، كما أن اختلاف الأنبياء وشرائعهم أيضاً باختلاف الدول الأسمائية، فكل اسم تكون إحاطته أكثر ويكون أجمع؛ تكون دولته أكثر إحاطة، والنبوة التابعة له أكثر إحاطة والكتاب النازل منه أكثر إحاطة وجامعية، وتكون الشريعة التابعة له أكثر إحاطة وأدوم. وحيث أن النبوّة الختمية والقرآن الشريف وشريعة سيد البشر من مظاهر المقام الجامع الأحدي وحضرة اسم الله الأعظم ومجاليها، أو من تجلياتها وظهوراتها؛ فلهذا صارت أكثر النبوات والكتب والشرائع إحاطة وأجمعها. ولا يتصور أكمل وأشرف من نبوّته وكتابه وشريعته. ولا يتنزل من عالم الغيب39 على بسيط الطبيعة علم أعلى منه، أو شبيه له، بمعنى أن هذا هو آخر ظهور
22
للكمال العلمي المربوط بالشرائع، وليس للأعلى منه إمكان النزول في عالم المُلك40، فنفس الرسول الخاتم أشرف الموجودات، والمظهر التام للاسم
الأعظم، ونبوّته أيضاً أتمّ النبوّات الممكنة، وصورة لدولة الاسم الأعظم، ولهذه الجهة لهذا الكتاب أحدية الجمع والتفصيل. وهو من جوامع الكلم، كما أن كلامه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً كان من جوامع الكلم، والمراد من كون القرآن أو كلامه من جوامع الكلم ليس أن القرآن، أو أنه صلى الله عليه وآله وسلم بيّنا الكليات والضوابط الجامعة، وإن كانت أحاديثه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً من الجوامع والضوابط بذلك المعنى، كما أن ذلك معلوم في علم الفقه، بل جامعيته عبارة عن أن القرآن نزل لجميع طبقات الإنسان في جميع أدوار العمر البشري، وهو رافع لجميع حوائج هذا النوع. وحقيقة هذا النوع حيث أنها حقيقة جامعة وواحدة لتمام المنازل، من المنزل الأسفل الملكي إلى أعلى مراتب الروحانية والملكوت41 والجبروت42، ولهذه الجهة يختلف أفراد هذا النوع في هذا العالم الأسفل الملكي اختلافاً تاماً، والاختلاف والتفاوت الموجودان في أفراد هذا النوع لا يوجدان في أفراد سائر الموجودات، ففي هذا النوع الشقيّ الذي هو في كمال الشقاوة، والسعيد الذي هو في كمال السعادة وهو نوع بعض أفراده أسفل من جميع الحيوانات، وبعض أفراده أشرف من جميع الملائكة المقربين.
وبالجملة، حيث أن أفراد هذا النوع مختلفة متفاوتة في المدارك والمعارف، فالقرآن نزل على نحو يستفيد كلٌ منه على حسب كمال إدراكه ومعارفه وضعفها، وعلى حسب ما له من الدرجة العلمية.
23
شروط فهم القرآن(4)
لو لم تكن التزكية لما أمكن تعليم كتاب الحكمة. يجب تزكية النفوس وتطهيرها من جميع الأدران، وأعظم الأدران هي النفس الإنسانية والأهواء النفسية. فما دام الإنسان في حجاب نفسه؛ فإنه لا يستطيع أن يدرك القرآن الذي هو نور، كما يعبر القرآن عن نفسه. فالذين يقفون خلف حجب عديدة لا يمكنهم أن يدركوا النور، ويظنون أنهم يستطيعون دركه، لكنهم لا يقدرون على ذلك. ما دام الإنسان لم يخرج من حجاب نفسه المظلم جداً، وطالما أنه مبتلى بالأهواء النفسية، وطالما أنه مبتلى بالعجب، طالما أنه مبتلى بالأمور التي أوجدها في باطن نفسه، وتلك الظلمات التي ﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾43، فإنّه لا يكون مؤهلاً لانعكاس هذا النور الإلهي في قلبه.
الذين يريدون فهم القرآن ومحتواه، لا صورته النازلة المحدودة، بل يفهموا محتواه ويزدادون سمواً ورقياً كلما قرأوه، ويقتربون من مصدر النور والمبدأ الأعلى كلما قرأوه44 فإن هذا لا يتحقق إلاَّ أن تزول
24
الحجب و"إنك بنفسك حجاب لنفسك"45 لذا يجب رفع هذه الحجب حتى تتمكن من رؤية هذا النور كما هو وكما يليق بالإنسان أن يدركه، فأحد الأهداف هو تعليم الكتاب بعد التزكية، وتعليم الحكمة بعد التزكية.
25
مائدة القرآن الواسعة(5)
القرآن هو آيات إلهية، والغرض من البعثة هو المجيء بهذا الكتاب العظيم، وتلاوة هذا الكتاب العظيم والآية الإلهية العظيمة. ورغم أن جميع العالم هو آيات الحق تعالى، لكن القرآن الكريم هو عصارة الخليقة، وعصارة الأشياء التي يجب أن تتم في البعثة. فالقرآن الكريم عبارة عن مائدة أعدّها الباري تبارك وتعالى للبشر بواسطة نبيه الأكرم، ليستفيد منها كل إنسان بمقدار استعداده.
هذا الكتاب وهذه المائدة الممتدة في الشرق والغرب، ومنذ زمان الوحي وحتى تلاوة يوم القيامة، هو كتاب يستفيد منه كل الناس الجاهل والعالم والفيلسوف والعارف والفقيه والكل يستفيدون منه، أي أنه في الوقت الذي هو كتاب نازل من مرتبة الغيب46 إلى مرتبة الشهود، ومنبسط عندنا نحن الموجودون في عالم الطبيعة، في نفس الوقت الذي هو فيه مُنزَل من ذلك المقام، ووصل إلى الموضع الذي يمكننا الاستفادة منه. وإنه في الوقت الذي يحتوي على مسائل يستفيد منها جميع الناس الجاهل والعارف والعالم وغير العالم، فإنه
26
يحتوي على مسائل تختص بالعلماء الكبار، والفلاسفة العظام، والعرفاء الكبار، والأنبياء والأولياء. إذ أن بعض مسائله لا يتمكن من دركها سوى أولياء الله تبارك وتعالى، إلا من خلال التفسير الوارد عنهم، ويستفيد منه الناس بمقدار استعداداتهم. وثمة مسائل يستفيد منها الفلاسفة والحكماء الإسلاميين ومسائل يستفيد منها الفقهاء الكبار. وهذه المائدة عامة للجميع. وكما أن هذه الطوائف تستفيد منه؛ فإن فيه أيضاً المسائل السياسية والاجتماعية والثقافية والعسكرية وغير العسكرية. إذ أن جميعها موجودة في هذا الكتاب المقدس.
إن الغرض من نزول هذا الكتاب المقدس، ومن بعثة النبي الأكرم هو لكي يصبح هذا الكتاب في متناول أيدي الجميع، حتى يستفيدوا منه بمقدار سعتهم الوجودية والفكرية. ومع الأسف فلم نتمكن نحن، ولا البشرية، ولا علماء الإسلام الاستفادة من هذا الكتاب المقدس بالمقدار الذي ينبغي الاستفادة منه.
يجب على الجميع استخدام أفكارهم، وتسخير عقولهم نحو هذا الكتاب العظيم حتى نتمكن من الاستفادة منه بمقدار استعدادنا وكما هو عليه.
فالقرآن جاء لتستفيد منه جميع الطبقات كل بمقدار استعداداه. وطبعاً فإن بعض الآيات لا يمكن أن يفهمها إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمتعلم بتعليمه ويجب علينا فهمها بواسطتهم وإن الكثير من الآيات الزخرى هي في متناول أيدي الجميع، حيث يجب عليهم استخدام أفكارهم وعقولهم ليستفيدوا منها مسائل للحياة، سواء في هذه الدنيا أو الحياة الأخرى.
27
لذا فإن أحد أهداف البعثة هو إنزال هذا القرآن الذي كان في الغيب47 بصورة غيبية وفي علم الله تبارك وتعالى، وفي غيب الغيوب، بواسطة هذا الموجود العظيم الذي جاهد نفسه كثيراً وكان على الفطرة الحقيقية وفطرة التوحيد وجميع المسائل الأخرى التي جعلته مرتبطاً بالغيب48 وبواسطة الارتباط الذي كان له بالغيب فقد نزّل هذا الكتاب المقدس من مرتبة الغيب، بل وقعت للأصل عدّة تنزّلات، حتى وصل لمرتبة الشهادة49، وخرج بصورة ألفاظ. ويمكنني أنا وأنتم والكل فهم هذه الألفاظ والاستفادة من معانيها بمقدار استعدادنا، واستهدفت البعثة بسط هذه المائدة بين الناس منذ زمان نزوله وحتى النهاية. فهذه واحدة من أهداف الكتاب وأهداف البعثة. "بعثه عليكم" رسولاً يتلو القرآن عليكم والآيات الإلهية و﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾50.
فقد تكون هذه هي الغاية من التلاوة، فالتلاوة تكون لأجل التزكية والتعليم، وتعليم الجميع.. تعليمهم هذا الكتاب، وتعليمهم الحكمة التي هي من هذا الكتاب أيضاً. إذن فهدف البعثة هو نزول الوحي ونزول القرآن، وهدف تلاوة القرآن على البشر هو ليزكّوا أنفسهم وينقذوا نفوسهم من هذه الظلمات، حتى تتمكن أرواحهم وأذهانهم بعد ذلك أن تفهم الكتاب والحكمة. فالهدف هو التزكية لأجل فهم الكتاب والحكمة. فلا يستطيع أي إنسان وأية نفس أن تدرك هذا النور المتجلي من الغيب المتنزل إلى مرتبة الشهادة.
28
تفسير القرآن(6)
إن تفسير القرآن ليس من المهام التي يستطيع أمثالنا أداء حقها، بل إن علماء الطراز الأول من العامة والخاصة ألّفوا على طوال التاريخ الإسلامي كتباً كثيرة في هذا الباب، ومساعيهم مشكورة بلا شك، ولكن كل واحد منهم لم يقم بأكثر من تفسير أحد وجوه القرآن الكريم وفقاً لتخصصه والوقت الذي كان لديه، وحتى هذا فليس من المعلوم أنه كان بشكل كامل.
فمثلاً عمد العرفاء على مدى عدّة قرون إلى كتابة تفاسير عديدة وفق طريقتهم، وهي طريقة المعارف أمثال محي الدين51 في بعض كتبه وعبد الرزاق الكاشاني52 في تأويلاته، والملا سلطان علي53 في تفسيره،
29
وبعضهم أجاد التأليف في الفن الذي كان لديه، ولكن القرآن لا ينحصر فيما ألفوا، فما قاموا به هو قراءة بعض وجوه القرآن الكريم وقراءة بعض أوراقه.
كما قام الطنطاوي54 وأمثاله، وكذلك قطب55 بتفسير القرآن بطريقة أخرى هي أيضاً ليست تفسيراً للقران بكافة معانيه، فهم أيضاً كشفوا حجاباً واحداً آخراً عنه.
وللكثير من المفسرين من غير هاتين الطائفتين تفاسير أخرى كتفسير "مجمع البيان"56 وهو تفسير جيد جامع بين أقوال العامة والخاصة، وحال هذه التفاسير كحال سابقاتها، فالقرآن ليس ذلك الكتاب الذي نستطيع نحن أو غيرنا تأليف تفسير جامع له يحوي كافة علومه كما هي، ففيه علوم هي فوق ما نفهم نحن. إننا نفهم ظاهراً منه، ووجهاً منه، والباقي يحتاج إلى تفسير أهل العصمة، وهم المعلَّمون بتعليمات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
30
وقد ظهر في الآونة الأخيرة أشخاص ليسوا من أهل التفسير أصلاً أرادوا تحميل ما لديهم من أفكار على القرآن والسنة، حتى إن فئة من اليساريين والشيوعيين عمدت إلى التمسك بالقرآن أيضاً لنفس أهدافهم التي لهم، وهؤلاء لا علاقة لهم أصلاً بالتفسير ولا بالقرآن، فما يريدونه هو خداع شبابنا بما يقدمونه لهم على أنه هو الإسلام.
لا ينبغي للذين لم يصلوا بعد إلى المستويات العالية من النضوج العلمي أن يدخلوا مضمار التفسير، فلا ينبغي للشباب غير المطلع على هذه المسائل، وعلى المعارف الإسلامية، والذين لا اطلاع لهم على الإسلام اقتحام ميدان تفسير القرآن، وإذا حدث أن تطفّل أمثال هؤلاء لغايات وأهداف معينة، فلا ينبغي لشبابنا أن يولوا أهمية، أو يقيموا وزناً لمثل هذه التفاسير. فمن الأمور الممنوعة في الإسلام "التفسير بالرأي" كأن يعمد أيّاً كان إلى فرض أرائه على القرآن، فيطبق المادي أفكاره على بعض الآيات القرآنية، ويفسر القرآن ويؤوله وفق رأيه. أو أن يعتمد أحد أصحاب الآراء المعنوية والروحية إلى تأويل كل ما في القرآن الكريم، ويفسره بما يعتقده هو. لذا يجب علينا أن نحترز من كليهما من جميع هذه الجهات.
31
صعوبة فهم باطن القرآن(7)
إنّ‏َ هذه الآيات التي قيل عنها في رواياتنا أنها جاءت للمتعمّقين في آخر الزمان مثل: سورة التوحيد وست آيات من آية سورة الحديد، لا أعتقد أن أحداً من الناس اكتشف حقيقتها كما هي إلى الآن، ولا في المستقبل سيكتشف. وطبعاً فقد قيل الكثير في هذا المجال وكُتبت تحقيقات كثيرة وثمينة، إلا أن أفق القرآن هو فوق هذه المسائل. ويتصوّر الإنسان أن كلمة ﴿الأوَّلُ﴾ في الآية الشريفة ﴿هُوَ الأوَّلُ وَالآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾57 تعني أن أول خلق الله، و﴿الآَخِرُ﴾ هو كذلك و﴿الظَّاهِرُ﴾ بحسب أثاره أيضاً و﴿الْبَاطِنُ﴾ أيضاً بحسب أسمائه. إلاّ أن الموضوع هو غير هذا الذي فهمناه نحن وفهموه، والموضوع أعمق من هذا فـ﴿هُوَ الظَّاهِرُ﴾ تريد نفي أصل الظهور عن غيره، وأنه خاص به. وحقيقة الأمر هي هكذا، لكن فهم هذا المعنى أن الظهور هو ظهوره وأنّ العالم وجميع الوجود هو ظهوره، صعب للغاية.
و﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ الواردة في نفس هذه الآيات، فإنّ ﴿مَعَكُمْ﴾ تعني معنا، أي إنه هنا، ونحن هنا. إن المعيّة يسميها الفلاسفة بـ"معيّة
32
القيّومية" فهل يتضح الموضوع؟ هل إنها مثل معية العلّة والمعلول؟ مثل معيّة التجلي وصاحب التجلّي؟ ليس الموضوع هكذا، وإن المتعمقين في آخر الزمان فهموا بمستوى عمق إدراكهم أفضل من الآخرين، وإلاّ فإنّ حد القرآن هو "إنّما يعرف القرآن من خوطب به" فهذه الجملة "يعرف القرآن من خوطب به" مرتبطة بمثل هذه الآيات، وإلاّ فإنّ بعض الآيات المرتبطة بالأحكام الظاهرية وبالنصائح يفهمها الجميع، وإن المقصود بـ"لا يعرفه إلاّ من خوطب به" هو الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أي أن الوسيط وهو جبرئيل لا يمكنه الفهم أيضاً. لقد كان جبرائيل الأمين وسيطاً ليس إلاَّ، يقرأ على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تلك الآيات الواردة من الغيب، فهو مكلف بإيصالها، لكنه ليس هو "من خوطب به"58 أيضاً. إن "من خوطب به" هو الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فقط، وإن الآخرين فهموا أيضاً بواسطة ذلك النور المشع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتعليم النوراني الخارج من قلبه إلى قلوب الخواص. وأما أمثالنا نحن البشر العاديين فإننا عاجزون حقاً عن فهم حقيقة معنى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ فما هي هذه المعية؟ وما هو معنى نور السماوات والأرض ﴿اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ﴾؟ ماذا يعني ﴿نُورُ السَّمَوَاتِ﴾؟ وكيف يكون ﴿نُورُ السَّمَوَاتِ﴾؟ ولذا قالوا "منور السماوات" وهذا لا يرتبط بالآية أبداً.
فالتحول المعنوي، والتحول العرفاني الحاصل بواسطة القرآن هو فوق جميع المسائل. وإن الناس ينظر كل واحد منهم من بعدٍ واحدٍ إلى القرآن؛ فالبعض ينظرون إلى بُعده الظاهري، أو إلى بعده الاجتماعي،
33
أو إلى بعده السياسي، أو إلى بعده الفلسفي، أو إلى بعده العرفاني، بَيْدَ أن البعد الحقيقي بين العاشق والمعشوق، والسر الموجود بين الخالق والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكننا أن نفهمه نحن. وقد نُقِلَ عن الإمام الباقر عليه السلام59 قوله بأنه قادر على نشر جميع الأحكام والشرائع والحقائق من كلمة "صمد" فهنا سر موجود. طبعاً نحن أيضاً يمكننا فهم أصول المعارف من كلمة "صمد" لكن الإمام الباقر عليه السلام يقول أكثر من ذلك.
أسفي لأولئك الناس الذين لا يريدون أن يعلموا، ولم يسلكوا طريق العلم، ولم يخطو خطوة في طريق التعرف على كتاب الله، ولم يحققوا ذلك الارتباط مع مصدر الوحي حيث إن التفسير يأتي من هذا المصدر.
وكان هذا الارتباط قائماً بين الخالق ورسوله فقط، وبواسطته أيضاً بين الخواص الذين كانوا موجودين.
34
الاستفادات ذات البعد الواحد من القرآن(8)
بعد مضي مدة من نزول الإسلام، اهتمت مجموعات مختلفة من أهل العلم بمعنويات الإسلام، وركّزوا أنظارهم على تلك الآيات والروايات المرتبطة بالمعنويات وتهذيب النفس وما وراء الطبيعة... في القرآن الكريم آيات كثيرة عن الأمور المعنوية، أي ذلك الوجه الإنساني الذي هو من عالم الغيب60.
استمر الوضع لفترة طويلة على هذه الشاكلة حيث كان الاهتمام معدوماً أو ضعيفاً بتلك الأحكام الاجتماعية والسياسية وغيرها الواردة في الإسلام. ثم ظهرت تدريجياً مجموعات اهتمت بالمسائل الاجتماعية والسياسية وقضايا الساعة، وهؤلاء وقعوا من هذا الطرف أي اقتصرت اهتماماتهم على هذه المسائل الاجتماعية والأحكام السياسية وقضايا الحكم فقط. أولئك كانوا ينظرون إلى ذلك الجانب من الورق لفترات سابقة كالفلاسفة والعرفاء والمتصوفة وأمثالهم، وكان كلامهم يدور حول بيان هذه المعنويات، ويدعون الناس إلى هذه الجهات المعنوية الإسلامية. حتى إن بعضهم حاول إرجاع الآيات أو الروايات الواردة بشأن الأمور الطبيعية والمتحدثة عن قضايا الاجتماع
35
والسياسة، إلى تلك الأمور المعنوية، ويعتبرون أن الجميع مرتبط بذلك الجانب. فهم كانوا ينظرون إلى الجانب الباطني للقران والإسلام... ينظرون إلى المعنويات فقط، ويغضّون أبصارهم عن المواضيع الاجتماعية الواردة في القرآن، وعن الآيات والروايات الواردة بشأن الحكم الإسلامي، والسياسة الإسلامية، والقضايا الاجتماعية، وإعمار هذا العالم، وهذه هي الغفلة... الغفلة عن الإسلام، لأنهم كانوا ينظرون إلى الإسلام من زاوية واحدة فقط. أما الجانب الآخر وعالم طبيعته فإنهم لم يهتموا به، ولم يعلموا أن الإسلام يهتم بعالم الطبيعة أيضاً، ويهتم بجميع تلك الأمور التي يحتاجها الإنسان. لذا فإن إحدى الابتلاءات التي ابتلي بها الإسلام هي أن هؤلاء الأشخاص أمثال المتكلمين، والأكثر منهم الفلاسفة، والأكثر منهم العرفاء والصوفية، أرادوا تفسير جميع الآيات الواردة في القرآن الكريم تفسيراً معنوياً... اهتموا بالباطن وغفلوا عن الظاهر. والآن فإن ابتلاء الإسلام أخذ منحنًى آخر وهو أن شبابنا ومثقفونا وعلماؤنا الذين تعلموا العلوم المادية، يحاولون تفسير جميع آيات القرآن والروايات تفسيراً طبيعياً، وغفلوا عن المعنويات، حتى إنهم فسروا تلك الآيات الخاصة بالأمور المعنوية تفسيراً طبيعياً عادياً. وهؤلاء مهتمون بالإسلام أيضاً، لكنهم غافلون أيضاً، لأنهم ينظرون للإسلام من جانب واحد. وهاتان الطائفتان لم تفهمان الإسلام بمعناه الحقيقي. فالإسلام لا يدعو إلى المعنويات فقط، ولا يدعو إلى الماديات فقط.
إنه يدعو إلى كليهما. فقد جاء الإسلام والقرآن الكريم من أجل بناء الإنسان وتربيته في جميع أبعاده.
36
في بيان مقاصد الكتاب الشريف الإلهي‏ ومطالبه ومشتملاته بطريق الإجمال والإشارة(9)
إعلم أن هذا الكتاب الشريف كما صرّح هو به كتاب الهداية، وهادي سلوك الإنسانية ومربّي النفوس وشافي الأمراض القلبية، ومنير طريق السير إلى الله.
وبالجملة، فإن الله تبارك وتعالى لسعة رحمته على عباده أنزل هذا الكتاب الشريف من مقام قربه وقدسه، وتنزل به على حسب تناسب العوالم حتى وصل إلى هذا العالم الظلماني، وسجن الطبيعة، وصار على كسوة الألفاظ وصورة الحروف لاستخلاص المسجونين في سجن الدنيا المظلم، وخلاص المغلولين بأغلال الآمال والأماني، وإيصالهم من حضيض النقص والضعف والحيوانية إلى أوج الكمال والقوة والإنسانية، ومن مجاورة الشيطان إلى مرافقة الملكوتيين، بل الوصول إلى مقام القرب وحصول مرتبة لقاء الله التي هي أعظم مقاصد أهل الله ومطالبهم، فمن هذه الجهة هذا الكتاب هو كتاب الدعوة إلى الحق والسعادة، وبيان كيفية الوصول إلى هذا المقام،
37
ومحتوياته إجمالاً هي ما له دخل في هذا السير والسلوك الإلهي، أو يعين السالك والمسافر إلى الله، وعلى نحو كلّي أحد مقاصده المهمّة: الدعوة إلى معرفة الله، وبيان المعارف الإلهية من الشؤون الذاتية والأسمائية والصفاتية والافعالية. والأكثر في هذا المقصود هو توحيد الذات61 والأسماء62 والأفعال63، التي ذكر بعضها بالصراحة، وبعضها بالإشارة المستقصية.
وليعلم أن المعارف من معرفة الذات قد ذكرت في هذا الكتاب الجامع64 الإلهي على نحو تدركه كل طبقة على قدر استعدادها، كما أن علماء الظاهر والمحدثين والفقهاء رضوان الله عليهم يبيّنون ويفسّرون آيات التوحيد الشريفة، وخصوصاً توحيد الأفعال على نحو يخالف ويباين ما يفسّرها أهل المعرفة وعلماء الباطن.
والكاتب يرى كلا التفسيرين صحيحاً في محله، لأن القرآن هو شفاء الأمراض الباطنية، ويعالج كل مريض على نحو خاص، كما أن كريمة ﴿هُوَ الأوَّلُ وَالآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾65. وكريمة ﴿اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ﴾66 وكريمة ﴿هُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ﴾67 وكريمة ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾68 وكريمة ﴿أَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾69
38
إلى غير ذلك في توحيد الذات والآيات الكريمة في آخر سورة الحشر وغيرها في توحيد الصفات. وكريمة ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾70 وكريمة ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾71 وكريمة ﴿يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾72 في توحيد الأفعال التي تدل بعضها بوجه دقيق وبعضها بوجه أدقّ عرفاني، هي شفاء للأمراض عند كل طبقة من طبقات علماء الظاهر والباطن على نحو معين. ففي نفس الوقت الذي تكون الآيات الشريفة مثل آيات أول الحديد والسورة المباركة التوحيد قد نزلت للمتعمقين في آخر الزمان حسب الحديث الشريف في الكافي73 فإن لأهل الظاهر منها نصيب كافٍ، وهذا من معجزات هذا الكتاب الشريف ومن جامعيته.
ومن مقاصده الأخرى ومطالبه: الدعوة إلى تهذيب النفوس وتطهير البواطن من أرجاس الطبيعة، وتحصيل السعادة.
وبالجملة، كيفية السير والسلوك إلى الله، وهذا المطلب الشريف منقسم إلى شعبتين مهمتين.
إحداهما: التقوى بجميع مراتبها المندرجة فيها التقوى عن غير الحق والإعراض المطلق عما سوى الله.
39

يتبع

الرد مع إقتباس
 


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:
 
بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا بإمكانك إضافة موضوع جديد
بإمكانك إضافة مشاركات جديدة
لا بإمكانك إضافة مرفقات
لا بإمكانك تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع :


جميع الأوقات بتوقيت بيروت. الساعة الآن » [ 04:15 PM ] .
 

تصميم وإستضافة الأنوار الخمسة © Anwar5.Net

E-mail : yahosein@yahosein.com - إتصل بنا - سجل الزوار

Powered by vBulletin