منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
موقع يا حسين  
موقع يا حسين
الصفحة الرئيسية لموقع يا حسين   قسم الفيديو في موقع يا حسين   قسم القرآن الكريم (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم اللطميات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم مجالس العزاء (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم الأدعية والزيارات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم المدائح الإسلامية (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم البرامج الشيعية القابلة للتحميل في موقع يا حسين
العودة   منتديات يا حسين > الحوار الإسلامي > منتدى الفقه
اسم المستخدم
كلمة المرور
التّسجيل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم جعل جميع المنتديات مقروءة

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 22-03-2017, 05:36 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

بحوث في ولاية الفقيه

الدرس الأول: معنى الولاية
حتى نعرف المقصود من عنوان ولاية الفقيه، لا بد أولاً من إطلالة سريعة على أقسام الولاية، لنحدد في أي قسم من هذه الأقسام تدخل ولاية الفقيه.

أقسام الولاية:

الولاية على قسمين:

1- الولاية التكوينية:

ونعني بها: حق الطاعة في مجال التكوين، وتسخير الأشياء والموجودات، لإرادة صاحب هذه الولاية يتمكن بسببها من التصرف في الموجودات الخارجية، دون أن يعني هذا الكلام أن تناقضاً سيقع مع مبدأ العلية الجاري في الكون، أو مبدأ التوحيد الذي ينص على أن كل شي‏ء في الكون معلول لإرادة الله تعالى، لأن مبدأ العلية في الكون لا ينحصر بالأسباب الطبيعية الحسية، بل هناك من الأسباب الغيبية ما يفوق الأسباب الحسية، لكن لم ولن يطلع عليها إلا ذو حظ عظيم، كما أن مبدأ التوحيد لا يتنافى مع إذن1 الله تعالى لبعض عباده بالتصرف في الموجودات تصرفا لم تألفه الحواس ولا ينكره العقل.

5
مراتب الولاية التكوينية وهذه الولاية ذات مراتب، وأضعفها مرتبة ما نشهده عند كل الناس كولاية الإنسان على أعضائه وعضلاته فيحركها مثلما يشاء بمقدار ما يتمكن بإذن الله تعالى، لكنها مرتبة غير ملفتة، باعتبار تآلف الناس معها وتعودهم عليها، وإلا فإنه من الناحية الفكرية لا فرق في مبدأ هذه التصرفات بين مرتبة ومرتبة من مراتب الولاية التكوينية، وإن كان هناك فرق في أهمية هذه المراتب وسموها.

وهذه المرتبة من الولاية قد تبقى وقد تسلب بحادث أو بولادة ونحو ذلك أو بسبب غير طبيعي، كما أنه قد تسلب عنه دائماً، وقد تسلب في أوقات محددة، وقد تسلب للحظة أو لحظات، وقد لا تسلب أبداً، كل ذلك وفق مشيئته تعالى.

وهناك مرتبة هي أسمى من المرتبة السابقة، يكون الإنسان بسببها قادراً على التصرف في مجال أوسع من ذلك، كأن يحرك الحجر من مكانه بدون أن يلمسه، بل بمجرد أن يأمر الحجر بالتحرك، وكأن يحرك الشجر من مكانه من دون أن يقلعها أو أن يمسها، وكأن ينفجر نبع ماء تحت يد الإنسان، وهذه سلطة وولاية على بعض الموجودات، لكنها لا تستند إلى الطرق المألوفة في التأثير والإيجاد.

وهناك مرتبة أسمى قد يملك الإنسان معها قدرة التأثير في دائرة أوسع.

وليس هناك عدد محدد لمراتب هذه الولاية، لأنك تستطيع أن تحصي مراتب كثيرة، لكنك لن تتمكن من حصرها، لأن مفردات الوجود الكوني فوق قدرة البشر، كل ذلك لا يأبى عنه العقل، وإن كان هناك نقاش مستفيض في تحقق بعض المراتب لدى بعض الخلق.


الولاية التكوينية في القرآن‏

لكن هذه الولاية التكوينية على اختلاف مراتبها، لا تكون إلا بإذنه تعالى، ولا يمكن لأي مخلوق مهما علا شأنه أن يستقل عن الله تعالى في التصرف، بل كل ما في هذا الوجود من حوادث وتغيرات، لا بد أن يستند في نهاية

6

الأمر إلى إرادته تعالى إرادة فعلية، وما من أحد يملك قدرة مستقلة عنه تعالى مهما اختلفت مراتب التصرفات والقدرات.

ولذا نجد القرآن الكريم عندما ينسب إلى أحد أنبيائه وأوليائه قدرة تكوينية ما فإنه غالباً ما ينبه على أن هذا بإذن الله تعالى لئلا يبتلى المرء بالشرك كما ابتلي بذلك قوم من أهل الكتاب عندما رأوا القدرات الهائلة عند نبي الله عيسى عليه السلام.

وللتأكد مما نقول انظر إلى قوله تعالى: في قصة النبي عيسى عليه السلام ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ﴾2.

فتأمل في هذا التكرار في كلمة بإذن اللّه، وهذا يدل على أنه ليس هناك إذن واحد عام سابق يشبه التوكيل والتفويض، بل هو في كل حركة من حركاته، يطلب إذن الله تعالى، وفي الحقيقة فإنه لا يمكن أن يكون هناك إذن سابق يصير بموجبه المأذون قادراً على الإستقلال بالتصرف، مستغنياً عن أي إذنٍ لاحق، إن هذا المعنى غير متعقل في علاقة الله تعالى بعباده، لأنهم الفقراء إليه وحقيقتهم الفقر، ومن كان هذه حقيقته، لا يمكن أن يستقل عن ربه ولو للحظة، ومن مقتضيات الفقر الإحتياج المستمر لفيض الله تعالى، حتى يستمر الفقير في وجوده وفي تأثيره، فالحاجة للإذن مقوم لوجودنا شعرنا بذلك أم لم نشعر.

ونحن شيعة أهل البيت عليهم السلام نعتقد أن الله تعالى قد أكرم أنبياءه وأوصياء الأنبياء، ومنهم أئمتنا عليهم السلام، بكرامة الولاية التكوينية بمراتبها السامية المناسبة لمقام المخلوقين المربوبين وبإذن الله تعالى، وإن كنا غير قادرين على رسم حدودها.

كما أننا نعتقد أن هذه الكرامة لا تعطى بغير سبب وحكمة وكفاءة، بل يرتبط فيضها على العبد بمقدار قرب العبد من الله تعالى، ولذا نجد بعض

7

هذه الكرامة عند الأولياء من غير الأئمة والأنبياء عليهم السلام، فليس بمقدور كل أحدٍ أن يتصرف، وليس بمقدور كل شخص أن ينال إذن الله تعالى، بل هذا من مختصات النفوس القدسية والأرواح الربانية التي سمت وحلقت في أجواء القدس والنور، وسبحت في جوهر التوحيد، وتجلت فيها حقيقة العبودية، وبمقدار ما تثبت هذه الصفة بمقدار ما يفاض على الإنسان من كرم الله تعالى.


2- الولاية التشريعية:

وهي قسمان:

الأول: حق التشريع‏

فقد تطلق الولاية التشريعية ويراد بها أن النبي لله أو الإمام عليه السلام يملكان حق التشريع، والمقصود أنهم يملكون وحدهم القدرة على بيان الحكم الشرعي الواقعي الذي يريده الله تعالى والمعرفة الصحيحة لأحكام الله.

وبعبارة أوضح، نحن نعتقد بأن الرسول لله والأئمة عليهم السلام من ولده يملكون علماً ربانياً، وحياً أو إلهاماً، أو نحو ذلك، يمكّنّهم من خلاله معرفة حقائق الأشياء، ومعرفة ماذا يريد الله تعالى، وبالتالي معرفة ما هو الحكم الشرعي المناسب، وهذا في الحقيقة عبارة عن قدرة على استكشاف مراد الله تعالى، ونحوٍ من أنحاء الإخبار عن الله تعالى، وليس تشريعاً مستقلاً عن إرادة الله تعالى.

الثاني: حق الأمر والنهي

وقد تطلق الولاية التشريعية، ويراد بها أن للولي أن يأمر وينهى، وعلى الآخرين أن يطيعوه ويمتثلوا أوامره ويجتنبوا نواهيه.

8

معنى ولاية الفقيه‏

والمقصود بولاية الفقيه هنا، هو الولاية التشريعية التي نعني بها، حق الأمر وحق الطاعة، وأما سائر أقسام الولاية فلا علاقة لها بولاية الفقيه.

أما الولاية التشريعية بالمعنى الأول، فهي ليست للفقيه، ولم يقل أحد بثبوتها له، بل هو كغيره من المكلفين لا يستغني عن الأنبياء والأئمة عليهم السلام لمعرفة أحكام الله تعالى، ولذا تجده يُتعب نفسه بالبحث والإجتهاد في الأدلة لاستنباط الأحكام الشرعية.


نعم، قد يقال إن حق التشريع وتقديم القوانين ثابت للفقهاء، بمعنى أنهم المرجعية في تحديد الحكم الشرعي، ولكنه خلاف الإصطلاح.

أما الولاية التكوينية، فهي خارجة عن بحثنا، وهي نعمة من الله تعالى يكرم بها بعض عباده بحسب قربهم منه تعالى، سواء كانوا فقهاء أم لم يكونوا، وهذا أمر لا يعرفه إلا الله تعالى، أو من شاء الله أن نعرفه من خلال الآثار والأدلة الواقعية.

والمأمول أن يسدد الله تعالى خطانا بتسديد خطى أولياء الأمر لدينا، خصوصاً إذا ما لاحظنا أن من مقومات مقام الولاية الحكومية الورع والتقوى والزهد في الدنيا، وهذه كمالات يرتقب في أهلها العروج في عالم الملكوت.

9

هوامش
1- ونقصد بالإذن معناه العام الذي يشمل السماح للفعل بأن يقع، فإذا أردت أن تقوم بعمل وسمح الله تعالى لهذا العمل أن يقع، فهو إذن منه تعالى، لكنه إذن كانت على أساسه سنن الإبتلاء والإختبار.
2- آل عمران: 45-49.




يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2017, 05:37 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الثاني: ضرورة تشكيل حكومة إسلامية

يعتبر الإمام الخميني قدس سره أن هناك مجموعة عوامل ساهمت في غربة المجتمع الإسلامي عن نظرية الإسلام في الحكم، وعن أن له حكومة يمكنها أن ترعى شؤونه في كل زمان ومكان.

ولأهمية ما ذكره الإمام قدس سره نذكر هنا أهم العوامل التي أشار اليها1 بحسب ما فهمناه من كلامه.

العامل الأول:

اليهود الذين ابتليت بهم الأمة الإسلامية منذ بداية وجودها، والذين عملوا جاهدين على تشويه سمعة الإسلام في نظر أبناء المسلمين، والإفتراء عليه، ولا زال هذا دأبهم حتى الآن.

العامل الثاني:

النشاط الإستعماري الذي يعود تاريخه إلى زمن طويل نسبياً، فقد لاحظوا أن العائق الكبير أمام خططهم هو الإسلام بأحكامه وعقائده وإيمان

11

الناس به، فتحاملوا عليه وكادوا له وجندوا لذلك المبشرين والمستشرقين ووسائل الإعلام، بهدف تحريف حقائق الإسلام، ليصير الناس عامة والمثقفين خاصة بعيدين عن الإسلام، واستغلوا في سبيل نشر ذلك، التطور العلمي للغرب، والثورة الفرنسية، ونقل تجربة الحكم الكنسي في العصور الوسطى، وزعموا أن المشكلة ليست مختصة بهذا الحكم، بل هذا هو حال كل حكم ديني.

العامل الثالث:

ومن العوامل التي ساهمت في ذلك وإن كان تأثيرها غير مباشر وغير مقصود، كتبنا الفقهية والفكرية الإسلامية المطروحة للناس في العهود السابقة، التي خلت من إبراز المفاهيم والحقائق المرتبطة بهذا المبدأ إلا القليل القليل، علماً أنك لو اطلعت على القرآن الكريم وكتب الحديث وهما من أهم مصادر التشريع، لوجدت أنهما مختلفان من حيث المضمون عن الكتب التي كتبها الفقهاء اختلافاً شديداً.

العامل الرابع:

ومن جملة العوامل التي أدت إلى تركيز تلك الفكرة، بعض علماء السوء ووعاظ السلاطين الذين نراهم يسوّقون لأفكار أجنبية عن الإسلام، وقد يشكلون أحياناً غطاءً لبعض الأفكار المنحرفة المتعلقة بالإسلام عامة، وبالحكومة الإسلامية خاصة، وربما أعطوا لأفكارهم لبوس الإسلام.


العامل الخامس:

سوء التطبيق الذي عايشه الناس للأنظمة التي تدعي أنها تحكم باسم الإسلام، يواكبه تضخيم متعمد من قبل الأجهزة المعادية للإسلام لهذا التطبيق السي‏ء، من أجل بيان أن الإسلام وعلماء الإسلام، غير قادرين على حكم وإدارة ومواكبة المجتمعات المعاصرة المتطورة، وأنه كالحكم الكنسي في العصور الوسطى.

12

أدلة ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية

وعلى كل حال فإن لدينا من العقل والنقل ما يكفي من الأدلة الدالة على ضرورة تشكيل حكومة إسلامية في عصر الغيبة ولنا هنا ثلاثة أدلة:

الدليل الأول: أحكام الإسلام‏

فمن نظر إجمالاً إلى أحكام الإسلام، وجدها شاملة لجميع شؤون المجتمع:

ففيها الأحكام العبادية.

وفيها القوانين الإقتصادية والحقوقية والإجتماعية، وهي أحكام لا تتحقق إلا بحكومة إسلامية عادلة، وهذا يعني أن الإسلام جاء ومن أهم أهدافه هو ذلك.

وهذه الأحكام الإلهية على اختلافها لم تنسخ بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باتفاق الجميع، بل هي باقية إلى يوم القيامة، وبقاء تلك الأحكام يقضي ببقاء ضرورة تشكيل حكومة إسلامية تتضمن سيادة القانون الإلهي وتتكفل بإجرائه، إذ لا يمكن تحقيق ذلك بغير حكومة إسلامية.

كما أن الضرورة التي دعت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لتشكيل حكومة إسلامية لا تزال موجودة في هذا العصر، ولن تزول في أي عصر من العصور، ولذا لم يكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مجرد مبلغ للرسالة، إذ كان يكفيه أن يخبر الناس بما يريده الله تعالى وينتهي الأمر، بل له دور أعظم على مستوى هداية الأمة وإرشادها، والأخذ بيدها، ونشر العدل بينها، وحمايتها في وجه الأعداء تربوياً وفكرياً عسكرياً وسياسياً.

الدليل الثاني: حفظ النظام‏

قد تسالم الفقهاء والعقلاء على أن حفظ النظام من الواجبات التي لا يمكن التساهل بشأنها، وأن اختلال أمور الناس من الأمور المبغوضة عند الله والناس.

13

كما أن حفظ ثغور المسلمين وحمايتهم وحماية أوطانهم وممتلكاتهم وأعراضهم من غزو المعتدين واجب عقلاً وشرعاً، ووجوبه بديهي لا يحتاج إلى دليل، ولا يمكن ذلك إلا بتشكيل حكومة إسلامية عادلة.

فمن كل هذا نتيقن أن المشرع الحكيم قد جعل لنا سبيلاً ما، وكل ما علينا فعله هو أن نفتش عن هذا السبيل.

الدليل الثالث: الروايات‏

فقد نقل الإمام الخميني قدس سره عن كتب الحديث وخاصة من كتاب الوافي للفيض الكاشاني جملة من الأحاديث الدالة على ضرورة تشكيل حكومة اسلامية، ننقل هنا بعضها، وهي على قسمين:

القسم الأول:

ما دل على أن كل ما يحتاج إليه العباد قد شرع الله فيه تشريعاً.

كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام: أن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى بينت للأمة جميع ما تحتاج إليه"2.

قال الإمام الخميني قدس سره: "أي حاجة كالحاجة إلى تعيين من يدير أمر الأمة، ويحفظ نظام بلاد المسلمين طيلة الزمان ومدى الدهر في عصر الغيبة، مع بقاء أحكام الإسلام التي لا يمكن بسطها إلا بيد والي المسلمين وسائس الأمة والعباد".

القسم الثاني: ما دل على ضرورة الإمامة في حياة الناس من حيث حفظ النظام ورفع الإختلاف، وأن هذه الضرورة لا تنحصر بزمان دون زمان. كالرواية التي رواها الشيخ الصدوق في علل الشرائع، بسنده عن الفضل بن شاذان، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام في حديث أنه قال: "فإن قال قائلٍ فلم جُعل أولي الأمر وأمر بطاعتهم؟.

14

قيل: لعلل كثيرة.

منها: أن الخلق لما وقفوا على حد محدود وأمروا أن لا يتعدوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم، لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلا بأن يجعل عليهم فيه أميناً، يمنعهم من التعدي والدخول فيما حظر عليهم، لأنه إن لم يكن ذلك كذلك، لكان أحد لا يترك لذته ومنفعته لفساد غيره، فجعل عليهم قيّماً يمنعهم من الفساد، ويقيم فيهم الحدود والأحكام.

ومنها: أنا لا نجد فرقة من الفرق، ولا ملة من الملل، بقوا وعاشوا إلا بقيم ورئيس لما لا بد لهم من أمر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم أنه لا بد لهم منه ولا قوام لهم إلا به، فيقاتلون به عدوهم، ويقسمون به فيأهم، ويقيم لهم جمعتهم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم من مظلومهم.

ومنها: أنه لو لم يجعل لهم إماماً قيماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملة، وذهب الدين، وغيرت السنّة والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون، وشبّهوا ذلك على المسلمين، لأنا قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين مع اختلافهم واختلاف اهوائهم وتشتت انحائهم، فلو لم يجعل لهم قيماً حافظاً لما جاء به الرسول لفسدوا على نحو ما بيّنا، وغيرت الشرائع والسنن والأحكام والإيمان، وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين".

ودلالة هذه الرواية على مقصودنا واضحة.

15

هوامش

1- راجع كتاب الحكومة الإسلامية للإمام الخميني قدس سره.
2- الوافي، ج1، ص 26 حجرية.


يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2017, 05:38 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الثالث: صفات الولي وشروطه(1)
لا ريب عندنا في أن الولاية هي في الأساس مشروطة بالعصمة، وتحتاج إلى إرشاد خاص من قبل الله تعالى إلى المتصف بها، وكان من المفترض أن يتولّى المعصومون عليهم السلام ولاية الأمر في المجتمع الإسلامي على مر العصور لولا الإنحرافات الخطيرة التي أصابت الأمة الإسلامية، والتي كان من تفاعلاتها غياب الحجة رحمه الله.
وحيث إن الغيبة قد وقعت، ولا يعلم إلا الله تعالى متى الفرج منها، كان لا بد أن يتوجه السؤال المهم حول كيفية إدارة شؤون الأمة في عصر الغيبة، بعدما ثبت أن مبدأ الحكومة الإسلامية لم يزل بغيبة الإمام عليه السلام فصرنا بحاجة إلى بدل إضطراري إلى أن يظهر المعصوم عليه السلام، فكان لا بد من النظر في الأدلة العقلية والنقلية لنرى مدى إمكانية استكشاف وتحديد المواصفات المطلوبة لمقام الوالي والحاكم.
ويمكن تقسيم الأدلة الدالة على المواصفات والشروط المطلوبة في الحاكم من حيث الإجمال والتفصيل إلى قسمين:
الاول: الدليل الاجمالي.
الثاني: الدليل التفصيلي.
17
الدليل الإجمالي‏
وخلاصة: أن الحكومة الإسلامية حكومة تعتمد على قانون محدد هو القانون الإلهي بهدف بسط العدالة الإلهية بين الناس، وهذا يعني بكل بساطة ووضوح، ضرورة أن يكون الوالي متمكنا من صفتين مهمتين هما أساس الحكومة القانونية الإلهية ولا يعقل تحققها إلا بهما:
إحداهما: العلم بالقانون.
وثانيتهما: العدالة و الكفاءة.
ونعني بالعدالة هنا: الحرص على الإلتزام الشخصي والتام بجميع الأحكام الإسلامية الإلزامية والقوانين الإلهية، لا يحيد عنها قيد أنملة، سواء على المستوى الشخصي، أم في علاقاته مع الآخرين.
ونعني بالكفاءة: القدرة على إدارة شؤون الأمة وقيادتها نحو المواقف السليمة، وبهذا المعنى تكون الكفاءة مزيجاً من وعي بشؤون الساعة، وشؤون السياسة، وما يدور في الأمم، وقدرة على فهم الأحداث، وحكمة في تقييم الظرف والواقع، وحدس صائب في اتخاذ الموقف المناسب، وحلم يساعد على تقبل الملاحظات والنصائح.
ومن البديهي أن الجاهل والظالم والفاسق وغير القادر على إدارة شؤون الأمة وقيادتها واتخاذ القرارات المناسبة، لا يعقل أن يرضى به الله تعالى والياً على المسلمين وعلى مقدراتهم وأموالهم ونفوسهم وأعراضهم، وهذا من البديهيات التي يدركها كل عاقل وكل مسلم، خاصة بعدما علمنا شدة اهتمام المشرّع الأقدس بهذه الأمور واحتياطه الشديد تجاهها.
كما أن هذا المقام لا يليق بغير العادل وإن كان موثوقاً، إذ كيف يمكن أن نفترض أن الله تعالى رضي بمن يرتكب المحرمات ويترك الواجبات ويستهتر بها أو ببعضها، قيّماً على شؤون المسلمين، لمجرد أنه شخص أمين لا يكذب؟! بل كيف يكون أميناً على تطبيق أحكام الإسلام في المجتمع بكل أبعادها ما لم يكن هو نفسه من الملتزمين بها؟! بل ومن المبتعدين عن الدنيا والزاهدين فيها.
18
وكذلك اشتراط الكفاءة في إدارة الشؤون وقيادة الأمة، فإن هذا الشرط مما يدركه العقل ويعترف به جميع العقلاء، بل هو في الواقع من شروط صلاحية الشخص للولاية، وفاقد هذا الشرط فاقد للأهلية، فيكون سلب الولاية عنه من السالبة بانتفاء الموضوع، ولذا لو فرضنا خلو النصوص عن هذا الشرط، واقتصرت الأدلة على عنوان الفقيه العدل، فإن هذا لا يعني أن غير الكفوء يحق له أن يتولى شؤون الأمة، علماً أن الأدلة اللفظية دلت على اشتراط الكفاءة في الولي، مثلما دلت على اعتبار شرطي العدالة والفقاهة.
وعلى ضوء ما تقدم يظهر أن أمر الولاية في الحكومة الإسلامية في زمن الغيبة الكبرى مرجعه إلى العالم بالقانون الإلهي العادل الكفوء.
وقد رأيت أننا تمكنا من الوصول إلى هذه النتيجة بكل بساطة، بعيداً عن التعقيدات الفقهية، وإن كان يحتاج إلى بعض التتميم على مستوى اشتراط كون الولي فقيهاً، لأن الإنصاف يقتضي الإعتراف منا بأن هذا الدليل الإجمالي لا يكفي لإثبات شرطية الإجتهاد فلا بد من تتميمه ببحث أكثر تفصيلاً.
الدليل التفصيلي‏
وأما الدليل التفصيلي فإن الأدلة التفصيلية الدالة على ضرورة توافر صفات معينة في الولي على نوعين:
1- الدليل الروائي.
2- الدليل العقلي.
الدليل الروائي‏
أما الدليل الروائي أي النصوص فقد دلت على أنه ينبغي أن يتوافر في شخصية الولي الشروط التالية:
19
1- شرط الفقاهة:
وقد دلت على ذلك روايات كثيرة نذكر منها:
1- موثقة السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل: يا رسول الله وما دخولهم في الدنيا؟ قال: إتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم"1.
والفقرة التي يتعلق بها الإستدلال هي قوله لله: "أمناء الرسل".
فقد وصفت هذه الرواية الفقهاء بأنهم أمناء لجميع الرسل بمن فيهم رسول الإسلام لله، لأنها لم تخصص الكلام برسول محدد، فيكون هذا العنوان شاملاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وحيث إنه لم يتحدد مورد الأمانة بمورد خاص، فهذا يعني شمولها لجميع الشؤون المتعلقة برسالته وهدفه ودوره، وأوضح هذه الشؤون قيادة الأمة وبسط العدالة الاجتماعية وما لها من المقدمات والأسباب واللوازم، فأمين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمين في جميع شؤونه، وليس شأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر الأحكام فقط حتى يكون الفقيه أمينا فيه فقط، بل من شؤونه أيضاً إجراء الأحكام، ومقتضى الأمانة فيها، ان يجريها الفقيه على ما هي عليها في الشرع الإسلامي، وأين تكون الأمانة لو ضاع الهدف من الرسالات والتي هي إجراء الأحكام وإقامة العدل بين الناس وهدايتهم إلى الحق.
2- التوقيع المبارك المنسوب إلى صاحب الأمر روحي فداه الذي نقله الشيخ الصدوق، عن الشيخ الكليني، عن محمد بن عصام الكليني، عن إسحاق بن يعقوب قال: "سألت محمد بن عثمان أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ‏َ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف: أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك... إلى أن قال: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله"2.
20
وأما دلالة هذا التوقيع عى المطلوب ففي فقرتين:
إحداهما: قوله عليه السلام: "أما الحوادث الواقعة.." الخ.
وتقريب الإستدلال بها: أن الإمام عجل الله فرجه الشريف أمر بالرجوع في نفس الحوادث والمستجدات والوقائع الخارجية إلى رواة الحديث بكل ما تتطلبه تلك الحوادث من رجوع، والحوادث تارة تحتاج إلى مرجعية لمعرفة حكمها الشرعي الكلي، وتارة تحتاج إلى مرجعية تحدد الموقف الشرعي في الساحة العملية، وذلك في الوقائع المرتبطة بالشأن الإجتماعي والسياسي3، وكلا الأمرين كانا من مختصات الإمام المعصوم عليه السلام لو كان ظاهراً، والإمام عليه السلام أمر بالرجوع في كل ذلك إلى رواة الحديث.
فالسائل أراد بسؤاله عن الحوادث الواقعة، الإستفسار عن تكليفه او تكليف الأمة في الحوادث الواقعة لهم، لأن حاجتهم لم تنقطع بغيبة الإمام عجل الله فرجه الشريف فكان لا بد من الجواب عن مثل هذا السؤال، والذي يظهر من الجواب أن الحوادث بكلا قسميها يكون المرجع فيها الرواة والمراد بهم الفقهاء.
والفقرة الثانية: من ناحية التعليل بأنهم "حجتي عليكم وأنا حجة الله".
وتقريب الإستدلال بها، بأن كون المعصوم حجة الله ليس معناه انه مبين الأحكام فقط، بل المراد أن الله تعالى أمر العباد بمتابعته في جميع شؤونهم، وأن لا عذر للناس في التخلف عنه، وهذا من بديهيات المذهب الشيعي صانه الله تعالى ورعاه.
وعليه: فيستفاد من قوله عجل الله فرجه الشريف: "هم حجتي عليكم وأنا حجة اللّه" أن المعنى الثابت لكونه رحمه الله حجة الله على العباد قد أثبته رحمه الله أيضا للرواة، فالفقهاء ولاة لأن هذا المعنى من مصاديق الحجية هنا.
21
هوامش
1- 4 أصول الكافي، ج1، ص 64.
2- وسائل الشيعة، ج81، باب 11 من أبواب صفات القاضي نقلاً عن كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة للشيخ الصدوق وعن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي.
3- أما الوقائع المرتبطة بالشأن الشخصي فأمر تشخيصها للمكلف نفسه كما لو شك أن هذا الماء الذي أمامه طاهر أو نجس وليس شأنها أن يسأل عنها الإمام المعصوم عليه السلام.
يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2017, 05:38 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الرابع: صفات الوالي وشروطه (2)

2- شرط العدالة:

وما يلائمها، كالإسلام والإيمان وحمل هم الرسالة ونحو ذلك.

وقد دلت على هذا المعنى آيات من القرآن الكريم وروايات من السنة:

أما الآيات فكثيرة، نذكر هنا نماذج منها:

منها: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾1.

فقد دلت هذه الآية على أنه لا تجوز طاعة من يتبع هواه.

ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾2.

حيث دلت على أنه لا يجوز أن يكون ولي الأمة الإسلامية من القوم الكافرين مهما كان انتماؤهم العقائدي، وهو ما أردنا استفادته من الآية الكريمة.

ومنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

23

حيث دلت هذه الآية المباركة على أنه لا يجوز لنا أن نتولى من يتخذ ديننا لهواً ولعباً.

والآية وإن تحدثت عن الذين أوتوا الكتاب، لكن عدم جواز اتخاذهم أولياء استند إلى كونهم من الذين اتخذوا ديننا هزواً ولعباً، فلا يجوز لنا تولي من هذه صفته، وإن انتسب إلى الإسلام أو الشيعة، ولا تسليم النفس له ليفعل بها ما يشاء كما يفعل بعض الضالة الجهلة.

وأما الروايات فكثيرة أيضا نذكر جملة منها:

الرواية الأولى: ما في نهج البلاغة: "ولكنني آسى أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها، فيتخذوا مال الله دولا وعباده حولا والصالحين حربا والفاسقين حزباً".

الرواية الثانية: ما رواه الكليني بسنده عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تصلح الإمامة إلا لرجل فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم يملك به غضبه، وحسن الولاية على من يلي حتى يكون لهم كالوالد الرحيم أو "حتى يكون للرعية كالأب الرحيم"3.


3- شرط الكفاءة:

وقد وردت عدة نصوص تدل على اعتبار الكفاءة نذكر منها عدة روايات:

منها: قوله عليه السلام في نهج البلاغة: "أيها الناس إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر الله فيه، فإن شغب شاغب استعتب، فإن أبى قوتل".

ومعنى أقواهم عليه: أكفأهم لتولي الأمر وقيادة الأمة.

24

4- شروط أخرى:

منها: ما في النهج عن أمير المؤمنين عليه السلام "إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس، كيلا يتبيغ بالفقير فقره".

وهذا الشرط ليس مختصاً بالمعصوم، بل يشمل كل من تصدى من أئمة العدل لإمامة المسلمين وقيادتهم، والتعبير بالفرض يدل على الوجوب.

ومنها: ما في نهج البلاغة أيضاً: "ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل، ويعدك الفقر، ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله".

ومنها: إجتناب البخل والجبن والحرص، وأن لا يصانع على حساب الحق، وأن يكون حليماً بالرعية ناصحاً لها.

وفي نهج البلاغة رواية جامعة لهذه الشروط والمواصفات وهي قوله عليه السلام:

"لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة".

هذا كله في الأدلة اللفظية الدالة على ثبوت الولاية للفقيه العدل الكفوء.

وأما الدليل العقلي فيأتي في الدرس التالي إن شاء الله.

25

هوامش

1- الكهف: 28.
2- النساء:141.
3- الكافي، ج‏1، كتاب الحجة باب ما يجب من حق الإمام على الرعية.


يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2017, 05:39 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الخامس: صفات الوالي وشروطه (3)

الدليل العقلي (الفقاهة خاصة)

الدليل العقلي: هو الدليل المسمى بدليل الحسبة، الذي نعتقد أنه لم ينكره أحد من العلماء كما سنشير إلى ذلك فيما بعد.

ويتألف هذا الدليل من مجموعة مقدمات هي:

المقدمة الأولى: أن الحكومة الإسلامية ضرورة شرعية وعقلية كما تقدم.

المقدمة الثانية: أنه لا بد من ولي لهذه الحكومة سواء كان شخصاً واحداً أو مجموعة أشخاص، وهذا من لوازم المقدمة الأولى.

المقدمة الثالثة: نفترض أن كل الروايات التي تقدمت غير دالة على ثبوت الولاية للفقيه، لكن لا يوجد دليل ينفي الولاية عنه أو يثبتها للأعم من الفقيه وغير الفقيه.

المقدمة الرابعة: ومقتضى المقدمة الثالثة أننا نشك في اشتراط الإجتهاد في الولي، وهذا يعني أن المسألة أمام احتمالين لا ثالث لهما وهما: الإشتراط، وعدم الإشتراط.

ورعاية الإحتمال الأول تقتضي أن يكون الولي فقيهاً زيادة على الشروط الأخرى التي ثبت اعتبارها في الولي، ومقتضى رعاية الإحتمال الثاني أنه يمكن للفقيه وغير الفقيه أن يكون وليا إن توفرت فيه باقي الشروط.

27

ولا مجال لاحتمال ثالث أعني احتمال اشتراط أن يكون الولي غير فقيه وانحصار الولاية بغير الفقيه، لأن غير الفقيه لن يتميز عن الفقيه بشي‏ء يتطلبه منصب الولاية، وأي صفة تفرض في غير الفقيه من الصفات اللازمة للولي يمكن فرضها في الفقيه أيضاً، ولا يعقل أن يكون الفقه والإجتهاد منقصة تجعل غير الفقيه أرجح من الفقيه لمجرد أن هذا فقيه، بل العكس هو الصحيح، لأن العلم بالقانون من شؤون هذا المنصب، والفقه والإجتهاد أسمى من التقليد، فالميزة للفقيه، ولذا احتملنا الإشتراط وانحصار الولاية به.

وعند دوران الأمر بين الإحتمالين المشار إليهما، يتدخل العقل لصالح الإحتمال الأول، لأن الترديد بين الإحتمالين يستلزم الترديد بين تعين الولاية بالفقيه وبين التخيير بينه وبين غير الفقيه، ودائماً مع فرض توفر الشروط الأخرى، والقاعدة عند العقل في مثل هذه الأحوال هو الأخذ بالتعيين.

والسبب في ذلك: أن هنا أصلاً عقلائياً وعقلياً وشرعياً وهو أن لا ولاية لأحد على أحد، وهذه القاعدة لا يمكن استثناء أي مورد منها إلا بدليل تام، ولا دليل على حق الولاية لغير الفقيه، بل هو مجرد احتمال، بينما صلاحية الفقيه للولاية أمر متيقن على كل حال، وهذا يعني أن الفقيه ثبتت ولايته، وأما غيره فيبقى تحت النفي المدلول عليه بالأصل، فلا تكون له ولاية على أحد.


شرط الأكفئية

ولو وجد فقيهان، وكان أحدهما أكفأ من الآخر، فالمتعين تقديم الأكفأ، ومعنى أن يكون أحدهما أكفأ من الآخر، أن يكون أقدر على قيادة الأمة بما يتطلب ذلك من أعرفية بالواقع وأفضلية في الإدارة وأقدرية على تحديد الموقف ونحو ذلك.

والذي يدل على ترجيح الأكفئية: ما علمناه من مجمل النصوص القرآنية

28

والروائية من أن شأن الأمة الإسلامية من الشؤون التي اهتم بها الإسلام ولم يرض بالتساهل به، والواجب رعاية حقوق الأمة قدر الإمكان، وهذا الأمر ينبغي عده من البديهيات الإسلامية، ولذا جرت السنة الإلهية على اختيار الأفضل في كل عصر وزمان لمقام النبوة والإمامة، ورعاية هذا الحق حق الرعاية، لا يكون الا باختيار الأفضل الأقدر على إيصال الأمة إلى حقوقها وتحقيق مصالحها وتجنيبها الأخطاء والمفاسد، فلو تركناه إلى الأقل فضلاً نكون قد عرضنا بعض المصالح المرتبطة بالأمة للضياع أو إيقاعها في بعض المفاسد، وهذا الإحتمال ينبغي رعايته نظرا لأهمية المحتمل.


أدلة عدم جواز تولي المرأة للقيادة

لو تأملنا في ما ورد لدينا من نصوص وفيما قاله علماؤنا يظهر أنه لا يوجد دليل شرعي قوي يمكن الإحتجاج به في مقام المحاورة يمنع بشكل جازم المرأة من تولي هذا الموقع، دون أن يعني هذا أنه لا يوجد دليل أصلاً. ولتفسير هذا الكلام علينا النظر فيما ذكروه من أدلة على النفي مقتصرين على أهم ما ذكر في هذا المجال ثم نبيّن أخيراً الدليل المعتمد.

الدليل الأول:

مجموعة روايات رُويت بِصيغ متعددة عن رسول الله لله في بعضها، وعن الأئمة عليهم السلام في بعضها الآخر، والذي مضمونه أن المرأة لا تولّى، وهي على نحوين:

النحو الأول: ما روي عن رسول الله لله في كتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق: "أن المرأة لا تُولى القضاء"1.

29

النحو الثاني: ما كان مطلقا غير مقيد بالقضاء، نحو ما روي عن النبي لله ونقل بصيغ متعددة: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" و"لا يقدس الله امة قادتهم امرأة"2.

ولكن ليس هناك طريق معتبر لأي من هذه الروايات، فلا قيمة لهذا الدليل على مستوى الحجية.

الدليل الثاني:

وهو الإستدلال بآية ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾3.

لكن الظاهر ان الآية مختصة بالحياة الزوجية ولا تشمل الحياة الإجتماعية، فلا منافاة بين هذه الآية وبين ثبوت الولاية لها، غايته أنها في الحياة الزوجية يجب أن تكون مطيعة للرجل فيما هو حق للرجل في ان يأمرها به، كما أن ثبوت حق الطاعة للوالد على ولده لا يمنع الولد من أن يكون ولياً على الأمة بما فيها أبوه.

الدليل الثالث:

قد ذكرنا سابقا في مباحث أدلة ولاية الفقيه، أن ثبوت الولاية لشخص يحتاج إلى دليل، ولا يكفي عدم الدليل على النفي لنثبت أنه يجوز للمرأة تولي القضاء والإمارة، لأن الإثبات أيضاً محتاج إلى دليل.

لذا يجب البحث عما إذا كان في الأدلة ما يثبت ذلك، ولو ثبت مثل هذا الدليل، تصبح المرأة كالرجل طرفاً من أطراف المقارنة عند البحث عن الأفضل، فإن كانت هي الأفضل من حيث الصفات المعتبرة في الولي كانت الولاية لها، وإن كان غيرها الأفضل فالولاية له.

30

والمعروف بين العلماء أنه لا وجود لمثل هذا الإطلاق، لأن الروايات الواردة في أدلة ولاية الفقيه وإن لم تقيد الأمر بالرجل، لكن كثرة الروايات التي تقدم ذكر بعضها الدال على عدم جواز تولي المرأة القضاء والولاية تجعل الإطلاق بعيداً.

فإننا وإن لم نقبل بالإستدلال بهذه الأخبار، لكن هذا لا يعني أن نمر عليها مرور الكرام بعدما كانت كثيرة أوجدت ارتكازا في أذهان المسلمين عموما والفقهاء خصوصاً، مما يدعو إلى العثور على رواية واضحة وصريحة في الدلالة على حق المرأة بتولي القضاء أو الولاية حتى يمكننا تبني هذا الرأي.

ونتيجة ما تقدم أن نصير في شك في أنه هل يجوز للمرأة أن تتولى القضاء والولاية في الحكومة الإسلامية أم لا؟ ومع هذا الشك تكون النتيجة القهرية أنه لا يحق لها هذا المنصب بناء على الأصل المشار إليه سابقاً.

31

هوامش

1- راجع وسائل الشيعة، ج 18 الباب الثاني من ابواب صفات القاضي. وج14، باب 23 من أبواب مقدمات النكاح. وسنن البيهقي ج10، ص 118.
2- كنز العمال، ج6، ص 40، الباب 1 من كتاب الامارة من قسم الأقوال.
3- النساء: 34.



يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2017, 05:41 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس السادس: كيف يعين الولي؟ (1)

تمهيد:

محل هذا السؤال ما لو تعدد الفقهاء الكفوؤن، لأنه لو لم يكن لدينا غير فقيه واحد توفرت فيه الشرائط المعتبرة ينتفي السؤال.

وهنا نستحضر صورتين يمكن استخلاصهما مما تقدم:

الصورة الأولى: أن نكون من القائلين بضرورة أن يكون الولي هو الأفضل من الجميع من حيث مجموع الصفات، مع الترجيح بالصفات الأهم عندما يكون أحدهم أفضل في صفة، والآخر أفضل في صفة أخرى.

والجواب في هذه الصورة واضح، وهو أن الولاية لخصوص الأفضل من بين الموجودين أو المتصدين لا لجميع الفقهاء، وعادة يكون الأفضل شخصاً واحداً. وهذا الواحد يكون هو الولي الواقعي سواء عرفناه أم لم نعرفه، غايته أن علينا العمل على معرفته، ويكون دور الناس البحث عنه وبذل أكبر جهد ممكن للوصول إليه.

الصورة الثانية: أن نكون من القائلين بعدم اشتراط ذلك، أو نكون من القائلين بالشرط المذكور لكن صادف أن مجموعة من الفقهاء متساوون في الصفات والشروط المعتبرة في الولي، بحيث لم يكن أحدهم أفضل من غيره،

33

أو كان لكن لم يكن بالإمكان معرفته لتقاربهم من حيث الصفات أو لأي سبب آخر.

وفي هذه الصورة افتراضان:

الإفتراض الأول: أن نفترض إجتماع هذه المجموعة وإتفاقها أو إمكانية الإتفاق فيما بينهم على طريقة واحدة في إدارة شؤون الأمة وقيادتها، وفي هذه الحال لا يترتب على تعدد الفقهاء أي مشكلة، وليس هناك مانع شرعي أو عقلي من ان يتولى الحكم مجلس فقهاء عدول كفوئين جامعين للشرائط، وهذا الحل وإن كان يشكل أفضل الحلول، لكن الشأن في إمكانية تحقيقه مما يجعله أمراً غير واقعي رغم أفضليته.

الإفتراض الثاني: أن نفترض الإختلاف فيما بينهم كما هو المتوقع.

وفي هذا الفرض يفرض السؤال المتقدم نفسه، فهل كل فقيه يكون ولياً أم لا بد من اختيار واحد؟ وعلى التقدير الثاني فما هي المرجحات التي يجب ملاحظتها في تمييزه عن غيره ليكون هو الولي دون غيره، وهل يمكن ان يكون رأي الناس واختيارهم من المرجحات؟.

ومن البديهي أنه لا يمكن القبول بكون جميع الفقهاء ولاة فعليين للأمة بأن يكون كل منهم ولياً مستقلاً عن الآخر لما يترتب عليه من لوازم فاسدة من ضياع الأمة واختلال النظام والهرج والمرج، ولذا سنكون مضطرين جميعاً بمن فينا هؤلاء الفقهاء إلى إيجاد حل تتركز على أساسه الولاية والخروج من حالة التعدد إلى حالة يحصل فيها التوحد والنظم بما تستقيم معه الأمور وتتحقق الأهداف.

ولن تحل المشكلة إلا من خلال سبيل عقلائي وشرعي يمكن من خلال سلوكه التوصل إلى حل يتناسب مع المبادئ والأهداف، وهنا قد تطرح نظريات متعددة في سبيل حل هذه المشكلة نستعرضها في هذا الدرس وما يتلوه.

34

نظرية التصدي

إن أول ما يتبادر إلى الأذهان عادة عند طرح السؤال السابق، هو أن الحل يرتكز على أن تكون الأولوية في الولاية والحكم لمن يسبق غيره في التصدي للحكم، فلا يجوز لغيره مزاحمته في هذا الدور.

مناقشة النظرية

ولكننا بعد التأمل في هذه النظرية وفي الأدلة الشرعية، لم نجد ما يصلح أن يكون دليلاً على هذا القول، وكل الذي نعرفه أن النصوص دلت على أن مقام الولاية والحكومة مختص بالفقهاء العدول الكفوئين، أما أن التصدي يكفي لصيرورته ولي أمر بالفعل بحيث يكون تصديه مانعاً من تصدي الآخرين، فهذا ما لم تدل عليه الأدلة، لأن النصوص إن أعطت ولاية فعلية للفقهاء كلهم، فهذا يعني أن الجميع ولاة فعليين، وهذا باطل بالوجدان العقلائي وبحكم العقل الفطري السليم على ما تقدم، ووضوح هذا البطلان يشكل قرينة حالية متصلة على أن النصوص ليست في مقام بيان الوالي بالفعل، وأنها فقط في مقام بيان شأنية الولاية، وأن الوالي هو من العلماء ورواة الحديث والفقهاء، أما أي فقيه هو الولي بالفعل، فلا بد من ملاحظة أمور أخرى لذلك ولو بالإستعانة بالروايات أو المرتكزات الشرعية أو العقلائية الممضاة من قبل المعصومين عليهم السلام.

متى ينفع التصدي‏

نعم، إن تصدى الفقيه وسلم له الآخرون بقيادته، وتوفرت فيه الشروط، ولم يتصد غيره لهذا العمل، فإن هذا الفقيه يكون هو الولي الفعلي، لكن فعلية ولايته لم تنشأ من محض التصدي بل من مجموعة العوامل المذكورة.

وعلى هذا الأساس انطلق الإمام الخميني رحمهم الله. فقد رأى أن أحداً لم يتصد لهذا الهدف المهم، فشعر بالوجوب العيني يحيط به، وكان مستعداً للتنازل عن هذا التصدي لو تصدى من يراه أكفأ منه، لكن لم يتصد غيره، بل لم يوجد الأكفأ منه كما أثبتت الأيام ذلك، ولست أدري إن كان سيوجد.

35

متى لا ينفع التصدي ولماذا؟:

لكن القاعدة تقول أن التصدي لوحده لا يكفي، فربما يتصدى من لا أهلية له تحقيقاً لمطامع شخصية، مما يفتح مجتمعنا أمام نزاعات جانبية لا يرضى عنها الله تعالى ورسوله وإمامنا الغائب عجل الله فرجه الشريف.

كما أن التصدي من قبيل فرض الذات على الأمة وكفاية التصدي لوحده ترتكز على أن يحرز الشخص بنفسه كفاءة نفسه فيتصدى، علماً أنه لم يكن إخبار الشخص عن نفسه وتزكيته لها يوماً، وسيلة شرعية للإعتماد عليه والتسليم له.

فلا بد من إضافة قيد أو قيود على التصدي، ليكون مؤثراً، وهو جملة الشروط المتقدمة في الوالي، وأن تحرز الأمة توفر الصفات فيه، ولولا ذلك لم يكن هناك سبيل لنلزم الناس بطاعة من تصدى، حتى وإن كان في الواقع أكفأ من غيره ما داموا لا يعرفونه.

رأي للسيد القائد المعظم آية الله العظمى السيد الخامنائي:

وقد أشار السيد القائد دام ظله إلى أن مجرد التصدي لا يكفي، وذلك عندما أجاب عن بعض الأسئلة بقوله:

"يجب على كل مكلف وإن كان فقيهاً أن يطيع الأوامر الحكومتية لولي أمر المسلمين، ولا يجوز لأحد أن يخالف من يتصدى لأمور الولاية بدعوى كونه أجدر، هذا إذا كان المتصدي لأمر الولاية فعلاً قد أخذ بأزمّتها من الطريق القانوني المعهود لذلك، وأما في غير هذه الصورة فالأمر يختلف".

ومراده من الطريق القانوني المعهود، طريق انتخابه من مجلس الخبراء.




يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2017, 05:42 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس السابع: كيف يعين الولي؟ (2)

نظرية الإنتخاب‏

ذكرنا فيما سبق أن لدينا اتجاهين حول اشتراط أن يكون الولي الأفضل، وسيؤثر هذان الإتجاهان على وجهة الإنتخاب.

فعلى التقدير الأول يكون الولي مشخصاً في الواقع، وتكون وجهة الإنتخاب البحث عنه ومعرفته، الأمر الذي سيفرض آلية خاصة بالإنتخاب تسمح باستكشاف هذا الأفضل وتسد الباب عن انتخاب غيره.

وعلى التقدير الثاني لا يكون هناك تعين في الواقع لمن هو الولي الفعلي، بل يكون جميع الفقهاء الذين تتوفر فيه الشروط متساوين في هذا الحق، وتكون وجهة الإنتخاب اختيار أحدهم بعد أن لم يمكن أن يكونوا بأجمعهم ولاة فعليين كما بينا سابقا، وإن كان المستحسن هو اختيار الأفضل.

والإنتخاب على التقدير الأول لا دخل له لا في شأنية الولي للولاية ولا في فعلية ولايته، لأن كل هذا قد تحدد في الواقع للأفضل، والإنتخاب مجرد اعلان عن معرفته، ومعنى ذلك أننا لو كنا مخطئين في التشخيص يكون من اخترناه ليس الولي الواقعي، غاية الأمر أننا نكون معذورين في خطئنا إن لم يكن لدينا أي تهاون في البحث عنه، لذا يكون البحث عن الأفضل، واختياره وانتخابه واجباً وليس أمراً اختيارياً.

37

وعلى التقدير الثاني فلا دخل للإنتخاب أيضاً في أهلية ولاية من اخترنا، لأن أهليته سابقة على الإنتخاب ثابتة بالنصوص أو غيرها من الأدلة المتقدمة، لكن سيكون له دخل في فعلية ولاية الولي وحسم التعدد لصالح الوحدة وترجيح المنتخب على غيره.

والكلام هو نفسه في دور الإنتخاب لو كنا من القائلين باشتراط الأفضل لكن تساوى مجموعة من الفقهاء في الفضل أو لم نعرف من هو الأفضل من بينهم.

وتأتي نظرية الإنتخاب على التقدير الثاني كحل عقلائي معقول بدون أن يتنافى مع المسلمات الشرعية بعد أن تبين معنا أن التصدي بمجرده لا يكفي.

شرعية الإنتخاب

وعلى كل حال فقد عرفنا من خلال البحوث المتقدمة الشروط المعتبرة في الشخص حتى يصير ولياً للأمر في الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة، وهذه الشروط لا بد أن يطلع عليها الناس وأن يحرزوا توفرها في الشخص المفترض أنه سيكون الولي حتى يكونوا ملزمين شرعا باختياره.

وليس هذا الحكم حكماً فردياً حتى يقاس الأمر على كل فرد على حدة فيفرد نفسه بولي خاص به، بل هو حكم للمجتمع الإسلامي المطالب كمجتمع بالتشخيص، وحيث أنه لم يذكر لنا في الروايات كيف يكون تشخيص المجتمع، فمعنى ذلك اللجوء إلى الطريقة العقلائية.

التشخيص بين المرجعية والولاية

والمأنوس في أذهان اتباع الشريعة من طرق التشخيص ما هو المتداول في تحديد المرجعية، ولذا ربما يظن البعض أنه يمكن اعتماد هذه الطرق نفسها في تحديد الولي.

لكن لو دققنا بعض الشي‏ء سنجد أن هذه الطرق ستقودنا إلى الإنتخاب.

38

طرق التشخيص ثلاثة

ونحن نعرف طرق التشخيص المتبعة في المرجعية، وقد ذكرت في الكتب الفقهية، وهي الطرق الثلاثة المعروفة: من شهادة أهل الخبرة، والشياع المفيد للعلم، والمعرفة الشخصية بالشخص المتصدي للمرجعية، وهذه الطرق الثلاثة لا يمكن تبنيها كلها في باب الولاية.

الطريق الاول: البينة المؤلفة من قول شاهدين من أهل الخبرة.

وهذا الطريق لا يمكن اعتماده هنا لسببين:

الأول: لأن البينة ذات بعد فردي لا إجتماعي، فلا تشكل أساساً لمعرفة اجتماعية، إذ الذي يطلع عليها هو الفرد وهذا لا يفيد بالنسبة للأمة، وعلينا البحث عن سبيل معرفة يحقق معرفة جماعية لا فردية.

الثاني: لأنه سيفسح المجال لأن يكون جميع الفقهاء ولاة فعليين، إذ ما من فقيه متصد أو يريد التصدي إلا وسيجد من يشهد له بأهليته لذلك، بل ربما يأتي أناس يدعون أنهم أهل خبرة كما يحصل أحياناً في مجال التقليد، فتضيع الأمور على الناس وتتشابك وربما نتنازع فيما بيننا، وفي هذا تضييع لهدف تشكيل الحكومة الإسلامية.

الطريق الثاني: المعرفة الشخصية.

وهذا الطريق ينفع صاحب المعرفة فقط دون غيره، ويستحيل عادة أن يملك جميع أفراد الأمة الخبرة الشخصية الكافية لمعرفة أهلية الشخص للولاية، نعم يمكن أن يكون صاحب المعرفة من أهل الخبرة إن كان قادراً على المقارنة بين الفقهاء.

الطريق الثالث: الشياع المفيد للعلم أو الإطمئنان.

وهو الطريق الوحيد المتبقي الذي يمكن اعتماده هنا، وهو أن يكون هناك شياع يفيد العلم أو الإطمئنان1، فإن أمكن تحصيله فبه، وإلا فلا سبيل للحل إلا باختيار الطرق العقلائية من اعتماد الأكثرية.

39

لكن الذي يسهل الأمر هو إمكان تحصيل شياع مفيد للعلم أو الإطمئنان من خلال تشكيل مجلس حاشد من أهل الخبرة العدول، وبالتالي يمكن من خلال إيكال الأمر إلى هؤلاء تحصيل العلم أو الإطمئنان بكفاءة الشخص المعين للولاية، أو بأفضليته إن كنا نبحث عن الأفضل.

ومع تحصيل العلم أو الإطمئنان من قول أهل الخبرة بالأفضلية، لا يضر حينئذ أي قول معارض، لأن قول هذا المعارض هو في أحسن الحالات لن يفيد أكثر من الإحتمال الضعيف الذي لا يعتنى به عقلائياً، ويمكن للأكثرية المهمة في مجلس حاشد من أهل الخبرة أن تفيدنا الإطمئنان إن لم تفد العلم.

ولا يكفي للمنتخِب أن يعتمد على مجرد الإطمئنان بتوفر الصفات في الشخص المقصود من دون ملاحظة منشئه، بل لا بد وأن يكون مستندا إلى سبب عقلائي حتى يكون حجة عقلائية وبالتالي شرعية، والسبب في ذلك أن حجية الإطمئنان ليست ذاتية بل تستند إلى السيرة العقلائية الممضاة من قبل الشرع الممثل بأهل العصمة عليهم السلام ولم توجد سيرة على الإعتناء في مقام الإحتجاج بالإطمئنان الناشئ من أسباب غير عقلائية.

معنى الشياع:

ومما ذكرنا يتبين أن الشياع ليس مجرد شهرة بين الناس، بل هو عبارة عن إخبارات كثيرة من كثير من أهل الخبرة، فلا يكفي الشياع بين الناس ما لم يكن ناشئاً عن شياع بين أهل العلم والخبرة2، وإلا فيمكن للدعاية أن تساهم في تحقيق هذا الشياع بعيداً عن الأسس الصحيحة، كما لا قيمة لشياع أو شهرة تنشأ من قول شخص أو شخصين، بل هذا في الحقيقة خارج عن حقيقة الشياع ومندرج في البينة أو قول الشخص الواحد.

40

نتيجة البحث:

فتحصل أنه لا سبيل إلا بالشياع، وأن أفضل طريقة له هي تشكيل مجلس يضم حشداً من أهل العلم والخبرة يشخصون من خلال مشاورات بينهم واستشارة الآخرين من هو الولي، ويكون الإنتخاب منهم وليس انتخاباً مباشراً من الناس.

وهذا ما اتبعته الجمهورية الإسلامية المباركة أيام الإمام الخميني قدس سره الذي عمل على تأسيس مثل هذا المجلس.

41

هوامش

1- الإطمئنان يدخل تحت عنوان الظن، فقد يشتد الظن ويقوى إلى أن يبلغ مرحلة يشابه فيها العلم أي تارة يكون في قبال الظن احتمال يلتفت إليه العقلاء ويراعونه في حياتهم وأخرى يكون الإحتمال ضعيفا لدرجة أن العقلاء يتعاملون معه معاملة العدم ولا يراعون وجوده.
2- وقد ذكر ذلك أيضا الإمام الخوئي قدس سره في بعض أجوبة استفتاءات وجهت إليه.




يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2017, 05:43 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس السابع: كيف يعين الولي؟ (2)
نظرية الإنتخاب‏
ذكرنا فيما سبق أن لدينا اتجاهين حول اشتراط أن يكون الولي الأفضل، وسيؤثر هذان الإتجاهان على وجهة الإنتخاب.
فعلى التقدير الأول يكون الولي مشخصاً في الواقع، وتكون وجهة الإنتخاب البحث عنه ومعرفته، الأمر الذي سيفرض آلية خاصة بالإنتخاب تسمح باستكشاف هذا الأفضل وتسد الباب عن انتخاب غيره.
وعلى التقدير الثاني لا يكون هناك تعين في الواقع لمن هو الولي الفعلي، بل يكون جميع الفقهاء الذين تتوفر فيه الشروط متساوين في هذا الحق، وتكون وجهة الإنتخاب اختيار أحدهم بعد أن لم يمكن أن يكونوا بأجمعهم ولاة فعليين كما بينا سابقا، وإن كان المستحسن هو اختيار الأفضل.
والإنتخاب على التقدير الأول لا دخل له لا في شأنية الولي للولاية ولا في فعلية ولايته، لأن كل هذا قد تحدد في الواقع للأفضل، والإنتخاب مجرد اعلان عن معرفته، ومعنى ذلك أننا لو كنا مخطئين في التشخيص يكون من اخترناه ليس الولي الواقعي، غاية الأمر أننا نكون معذورين في خطئنا إن لم يكن لدينا أي تهاون في البحث عنه، لذا يكون البحث عن الأفضل، واختياره وانتخابه واجباً وليس أمراً اختيارياً.
37
وعلى التقدير الثاني فلا دخل للإنتخاب أيضاً في أهلية ولاية من اخترنا، لأن أهليته سابقة على الإنتخاب ثابتة بالنصوص أو غيرها من الأدلة المتقدمة، لكن سيكون له دخل في فعلية ولاية الولي وحسم التعدد لصالح الوحدة وترجيح المنتخب على غيره.
والكلام هو نفسه في دور الإنتخاب لو كنا من القائلين باشتراط الأفضل لكن تساوى مجموعة من الفقهاء في الفضل أو لم نعرف من هو الأفضل من بينهم.
وتأتي نظرية الإنتخاب على التقدير الثاني كحل عقلائي معقول بدون أن يتنافى مع المسلمات الشرعية بعد أن تبين معنا أن التصدي بمجرده لا يكفي.
شرعية الإنتخاب
وعلى كل حال فقد عرفنا من خلال البحوث المتقدمة الشروط المعتبرة في الشخص حتى يصير ولياً للأمر في الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة، وهذه الشروط لا بد أن يطلع عليها الناس وأن يحرزوا توفرها في الشخص المفترض أنه سيكون الولي حتى يكونوا ملزمين شرعا باختياره.
وليس هذا الحكم حكماً فردياً حتى يقاس الأمر على كل فرد على حدة فيفرد نفسه بولي خاص به، بل هو حكم للمجتمع الإسلامي المطالب كمجتمع بالتشخيص، وحيث أنه لم يذكر لنا في الروايات كيف يكون تشخيص المجتمع، فمعنى ذلك اللجوء إلى الطريقة العقلائية.
التشخيص بين المرجعية والولاية
والمأنوس في أذهان اتباع الشريعة من طرق التشخيص ما هو المتداول في تحديد المرجعية، ولذا ربما يظن البعض أنه يمكن اعتماد هذه الطرق نفسها في تحديد الولي.
لكن لو دققنا بعض الشي‏ء سنجد أن هذه الطرق ستقودنا إلى الإنتخاب.
38
طرق التشخيص ثلاثة
ونحن نعرف طرق التشخيص المتبعة في المرجعية، وقد ذكرت في الكتب الفقهية، وهي الطرق الثلاثة المعروفة: من شهادة أهل الخبرة، والشياع المفيد للعلم، والمعرفة الشخصية بالشخص المتصدي للمرجعية، وهذه الطرق الثلاثة لا يمكن تبنيها كلها في باب الولاية.
الطريق الاول: البينة المؤلفة من قول شاهدين من أهل الخبرة.
وهذا الطريق لا يمكن اعتماده هنا لسببين:
الأول: لأن البينة ذات بعد فردي لا إجتماعي، فلا تشكل أساساً لمعرفة اجتماعية، إذ الذي يطلع عليها هو الفرد وهذا لا يفيد بالنسبة للأمة، وعلينا البحث عن سبيل معرفة يحقق معرفة جماعية لا فردية.
الثاني: لأنه سيفسح المجال لأن يكون جميع الفقهاء ولاة فعليين، إذ ما من فقيه متصد أو يريد التصدي إلا وسيجد من يشهد له بأهليته لذلك، بل ربما يأتي أناس يدعون أنهم أهل خبرة كما يحصل أحياناً في مجال التقليد، فتضيع الأمور على الناس وتتشابك وربما نتنازع فيما بيننا، وفي هذا تضييع لهدف تشكيل الحكومة الإسلامية.
الطريق الثاني: المعرفة الشخصية.
وهذا الطريق ينفع صاحب المعرفة فقط دون غيره، ويستحيل عادة أن يملك جميع أفراد الأمة الخبرة الشخصية الكافية لمعرفة أهلية الشخص للولاية، نعم يمكن أن يكون صاحب المعرفة من أهل الخبرة إن كان قادراً على المقارنة بين الفقهاء.
الطريق الثالث: الشياع المفيد للعلم أو الإطمئنان.
وهو الطريق الوحيد المتبقي الذي يمكن اعتماده هنا، وهو أن يكون هناك شياع يفيد العلم أو الإطمئنان1، فإن أمكن تحصيله فبه، وإلا فلا سبيل للحل إلا باختيار الطرق العقلائية من اعتماد الأكثرية.
39
لكن الذي يسهل الأمر هو إمكان تحصيل شياع مفيد للعلم أو الإطمئنان من خلال تشكيل مجلس حاشد من أهل الخبرة العدول، وبالتالي يمكن من خلال إيكال الأمر إلى هؤلاء تحصيل العلم أو الإطمئنان بكفاءة الشخص المعين للولاية، أو بأفضليته إن كنا نبحث عن الأفضل.
ومع تحصيل العلم أو الإطمئنان من قول أهل الخبرة بالأفضلية، لا يضر حينئذ أي قول معارض، لأن قول هذا المعارض هو في أحسن الحالات لن يفيد أكثر من الإحتمال الضعيف الذي لا يعتنى به عقلائياً، ويمكن للأكثرية المهمة في مجلس حاشد من أهل الخبرة أن تفيدنا الإطمئنان إن لم تفد العلم.
ولا يكفي للمنتخِب أن يعتمد على مجرد الإطمئنان بتوفر الصفات في الشخص المقصود من دون ملاحظة منشئه، بل لا بد وأن يكون مستندا إلى سبب عقلائي حتى يكون حجة عقلائية وبالتالي شرعية، والسبب في ذلك أن حجية الإطمئنان ليست ذاتية بل تستند إلى السيرة العقلائية الممضاة من قبل الشرع الممثل بأهل العصمة عليهم السلام ولم توجد سيرة على الإعتناء في مقام الإحتجاج بالإطمئنان الناشئ من أسباب غير عقلائية.
معنى الشياع:
ومما ذكرنا يتبين أن الشياع ليس مجرد شهرة بين الناس، بل هو عبارة عن إخبارات كثيرة من كثير من أهل الخبرة، فلا يكفي الشياع بين الناس ما لم يكن ناشئاً عن شياع بين أهل العلم والخبرة2، وإلا فيمكن للدعاية أن تساهم في تحقيق هذا الشياع بعيداً عن الأسس الصحيحة، كما لا قيمة لشياع أو شهرة تنشأ من قول شخص أو شخصين، بل هذا في الحقيقة خارج عن حقيقة الشياع ومندرج في البينة أو قول الشخص الواحد.
40
نتيجة البحث:
فتحصل أنه لا سبيل إلا بالشياع، وأن أفضل طريقة له هي تشكيل مجلس يضم حشداً من أهل العلم والخبرة يشخصون من خلال مشاورات بينهم واستشارة الآخرين من هو الولي، ويكون الإنتخاب منهم وليس انتخاباً مباشراً من الناس.
وهذا ما اتبعته الجمهورية الإسلامية المباركة أيام الإمام الخميني قدس سره الذي عمل على تأسيس مثل هذا المجلس.
41
هوامش
1- الإطمئنان يدخل تحت عنوان الظن، فقد يشتد الظن ويقوى إلى أن يبلغ مرحلة يشابه فيها العلم أي تارة يكون في قبال الظن احتمال يلتفت إليه العقلاء ويراعونه في حياتهم وأخرى يكون الإحتمال ضعيفا لدرجة أن العقلاء يتعاملون معه معاملة العدم ولا يراعون وجوده.
2- وقد ذكر ذلك أيضا الإمام الخوئي قدس سره في بعض أجوبة استفتاءات وجهت إليه.
يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2017, 05:44 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الثامن: كيف يعين الولي؟ (3)

نظرية البيعة

اعتنى بنظرية البيعة بعض الذين كتبوا في ولاية الفقيه وجعل البيعة مما تتوقف عليها ولاية ولي الأمر وإن كان معصوماً.

وقد عرفت البيعة بأنها العهد على الطاعة.

فلنر إلى أي حد تصلح البيعة لإنشاء ولاية في الشريعة الإسلامية.

أدلة القول بالبيعة

الدليل الأول: الإستدلال بسيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام، حيث قيل: لو لم يكن لها أثر في تثبيت الإمامة وتحقيقها فلِمَ طلبها رسول الله لله لنفسه ولأمير المؤمنين ؟ ولِمَ كان أمير المؤمنين عليه السلام يصر عليها في بعض الموارد ؟ ولِمَ يُبايع صاحب الأمر عجل الله فرجه الشريف بعد ظهوره، بالسيف والقوة؟1.

ويناقش هذا الاستدلال بما يلي:

أولاً: إن البيعة تتوقف قيمتها على إثبات أن من حق الأمة أن تولي على نفسها من تشاء، فلو ثبت شرعاً أن الأمة لا تملك مثل هذا الحق لانتفت البيعة بمعنى إعطاء ولاية، ولم يصح جعلها واسطة ثبوتية في ثبوت ولاية الولي.

43

ثانياً: البيعة حسبما نفهمه من موارد استعمالاتها في الكتاب الكريم والسنة، وخاصة إذا لوحظت بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو الأئمة المعصومين عليهم السلام، هي فعل يتصف بصفة الوجوب ويكون محلها متأخرا عن ثبوت حق الطاعة للشخص المراد عقد البيعة له، وإذا كانت البيعة كذلك فلا تكون طريقاً لتعيين الولي، بل لا بد من طريق آخر له وهو بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نبوته، وبالنسبة للأئمة عليهم السلام إمامتهم الثابتة بالنصوص والأدلة المذكورة في علم العقيدة، وبعد معرفة الولي يأتي حكم تكليفي على جميع المكلفين بوجوب مبايعة هذا الولي.

أما لماذا طلبها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لنفسه، فربما لأنه كان في بداية الدعوة للإسلام وكان على القوم أن يعرفوا ما هو الذي ينتظرهم وهم في بداية الطريق، فكان يريد أن يعرف من الذي سيلتزم معه ومن الذي سوف لا يلتزم، ولم يكن يهدف من البيعة إثبات ولايته عليهم حتى يستفاد من فعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن البيعة من مثبتات الولاية.

أما لماذا طلبها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام، فلأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أراد من البيعة أن تكون وسيلة لترسيخ فكرة تعيين الإمام عليه السلام ولياً، فإن إقتران اعلان الولاية بالبيعة يجعل الحادثة ملتصقة في الأذهان أكثر، وليس في هذا ما يدل على أنها وسيلة شرعية لإثبات الولاية.

أما إصرار الإمام علي عليه السلام عليها، فهذا لا أدري من أين أتى به القائل، وإنما أصر القوم على إعطائه البيعة لا أنه أصر على طلبها.

الدليل الثاني: الروايات الواردة في البيعة، حيث قد يستدل على مشروعية البيعة بالإضافة إلى ما تقدم، بجملة من الروايات وردت في نهج البلاغة وغيره:

منها: قول أمير المؤمنين عليه السلام لما أرادوا بيعته بعد قتل عثمان: "دعوني والتمسوا غيري... واعلموا إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول

44

القائل وعتب العاتب وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً"2.

ويرد على هذا الإستدلال بالرواية:

أولاً: لو كانت البيعة منشأ للولاية، لكانت شروطها هي النافذة، بينما الإمام يصرح بأنه سيسير بطريقة لن يهتم بعدها باعتراضاتهم.

ثانياً: لو افترضنا أنه عليه السلام قال هذا الكلام نقول: إن الأمة عندما أقبلت على الإمام عليه السلام لم تقبل عليه بصفته الأساسية وهي الإمامة المجعولة من قبل الله تعالى، بل أقبلوا عليه وفي نفوس بعضهم أن لهم المنة عليه أن اختاروه لهذا المقام، وفي ظنهم أنه عليه السلام متلهف له مستعجل إليه، والإمام في تلك المرحلة من الزمن لم يعد يكثر من المطالبة بحقه الشرعي الذي هو حق الله على الأمة، عملاً بمقالته التي أطلقها "لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين"، وصار يماشي القوم في ما تبانوا عليه من أن الأمر أمرهم يختارون من يرونه مناسباً لتولي الحكم فيهم، والذي قاله الإمام عليه السلام في هذه الرواية ناشئ من هذه الخلفية وليس من خلفية أنه عليه السلام مقتنع بأن الأمر أمرهم، وكيف يمكن أن يقدم الإمام عليه السلام مثل هذا الإقرار.

ومما يدلك على أن الإمام كان يلزم الناس بما ألزموا به أنفسهم وكان يماشيهم ولم يكن أبداً في صدد إمضاء وإعطاء شرعية للبيعة قوله عليه السلام في نهج البلاغة: "فيا لله وللشورى متى اعترض الريب فيّ‏َ مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر، لكني أسففت إذ أسفوا وطرت إذ طاروا".

ومنها: ما في نهج البلاغة أيضا من قوله عليه السلام في كتاب له لمعاوية:

"إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً، كان ذلك لله

45

رضا، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى... إلى أن يقول: واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا المشورة"3.

والجواب على هذا الدليل: إن هذا الكلام، لو فرضنا وروده عنه، إنما أورده الإمام عليه السلام في كتاب له إلى معاوية يحتج له به على انعقاد خلافته وأنه لا يجوز لمعاوية النكوص عنها والخروج عن طاعة الإمام، ومن الواضح أن معاوية لا يؤمن بالنص، فلا سبيل للإحتجاج عليه إلا بما يؤمن به أو بما لا يمكنه الفرار منه، ولذا بدأ الإمام عليه السلام بقوله: "وإنما بايعني الذين بايعوا..." الذي يعني انه ليس لك عذر في التخلف عن حكمي كما ألزمت نفسك بمن سبقني.

ولو لاحظنا نهاية ما أوردناه من كلامه عليه السلام لاتضح المقصود بشكل أفضل، فكأن الإمام عليه السلام يستدل على مقصوده من ردع معاوية عن التخلف وعن التمرد، فيخاطبه بأن الذي بايعني هم من لهم حق الشورى في نظرك أو في الجو السائد وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، وهؤلاء قد بايعوا، أما أنت فلست من الأنصار ولا من المهاجرين، لأنك كنت أسيراً يوم فتح مكة ولا هجرة بعد الفتح، فليس لك إلا أن تطيع.

البيعة في القرآن‏

لقد تحدث القرآن عن البيعة في مواضع كثيرة وكلها تشير إلى المعنى الذي ذكرناه.

منها: قوله تعالى في ما أنزله يوم الحديبية: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾4.

46

ومنها: قوله تعالى في نفس المناسبة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾5.

ومنها قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾6.

إن الذي نفهمه من هذه الآيات أن مورد البيعة الدخول في الإسلام أو الجهاد ونحوه من الموارد التي تتطلب توطين النفس على البلاء، ولا تدل الآيات على أن البيعة هي التي تسبب الإلزام في رقبة المبايع، وإلا فما معنى أن تبايع النساء على ترك الشرك وترك المنكرات والمحرمات، فهل إن الإلزام بترك الشرك يتوقف على البيعة أم أن الإلزام بترك السرقة يتوقف عليها؟

ثم أين أصبح قوله تعالى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾7 وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾8. وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ﴾9.

إننا لا نفهم من آيات البيعة إلا ما جاء في آية اخرى تحدثت عن بيع وشراء بين الله تعالى وعباده المؤمنين: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾10.

47

هوامش

1- راجع الجزء الأول من دراسات في ولاية الفقيه للشيخ المنتظري ص 525 وما بعدها.
2- نهج البلاغة، ج1، ص281 لمحمد عبده.
3- نهج البلاغة ج3، ص8 لمحمد عبده الكتاب السادس.
4- الفتح: 18.
5- الفتح: 10.
6- الممتحنة: 12.
7- الأحزاب: 6.
8- الأحزاب: 36.
9- النساء: 59.
10- التوبة: 111.



يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2017, 05:46 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس التاسع: كيف يعين الولي؟ (4)

نظرية الشورى‏

قد يطرح بحث الشورى كدليل على أن الولاية تعطى من الأمة، إذ لو لم يكن الأمر كذلك لم يكن هناك وجه للشورى في تعيين الولي واختيار النظام.

لكن لو تأملنا في كل الأدلة التي قد تذكر للشورى فلن نصل إلا إلى النتيجة القائلة: "يستحسن للولي أن يستشير" وإن كان قد تجب الإستشارة على الولي غير المعصوم، لكن ليست الآيات هي الدليل على هذا الوجوب.

أدلة الشورى:

قد يستدل للشورى بآيتين من القرآن وهما:

الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾1.

والإستدلال بهذه الآية على لزوم الشورى يتوقف على أن يكون قوله تعالى "وشاورهم" للوجوب.

19

ولنا حول هذا الإستدلال ثلاث مناقشات:

المناقشة الأولى: أن الآية لا دخل لها بما ذهب إليه صاحب النظرية، فلا ربط لها بقضية أن الوالي يكتسب ولايته من الناس ولا بقضية أن طبيعة النظام وشكل الحكم مأخوذ من الناس، وفي أقصى الأحوال تدل على لزوم الإستشارة على الوالي، ولا ملازمة بين الأمرين، لأن كون الحكم عن شورى، أو كون النظام عن شورى، أو كون الولاية نتيجة الشورى يعني أنه لا يحق لأحد أن يتولى من غير رضا الأمة ولا أن يتفرد بالقرار، وأن يكون القرار لمجموع أعضاء الشورى أو للأكثرية منهم، ولكن الآية أمرت فقط بأن يستشير الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولم تشترط في القرار أن يصدر عن هذه الشورى.

المناقشة الثانية: أن في الآية قرينتين لحمل الأمر المذكور على الإستحباب:

القرينة الأولى: سياق الآية، حيث إن سياق الآية يفيدنا أن الحديث عن صفات كمالية في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كمعصوم، وليس عن أمور يجب عليه مراعاتها كحاكم، فهو لله الشخص الرحيم بالعباد اللين القلب ولولا ذلك لانفضوا من حوله، وهذه الصفات الحميدة في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من طبيعتها أن يتفرع عنها فعل العفو عنهم والإستغفار لهم ومشاورتهم، ولذا طلبها تعالى منه لله، فحال هذا الخطاب كقولك لشخص وجدته قد تنازع مع غيره فقلت له: إنك أعقل منه وأكبر منه فانصرف عنه أو فاعطه ما يريد، فهل يفهم أحد من هذا الكلام الوجوب، أو أن ذلك الغير صار صاحب حق.

القرينة الثانية: كون الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن توجيه الخطاب في الآية الكريمة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدل على أن الأمر بالمشاورة ليس للوجوب، لأنه اتفقت كلمة المسلمين على أنه لله لا ينطق إلا بالحق، وأنه معصوم وعصمته تغنيه عن الإستشارة وتمكنه من إعطاء الموقف المطلوب بدون استشارة، فيصير الأمر بالمشاورة لا لحاجة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إليها بل إرفاقاً بالمسلمين وإشعاراً لهم بالمشاركة فيما يقرره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

21

المناقشة الثالثة: إن في الآية قرينة على أن ليس المقصود من الآية إلزامية الشورى على مستوى النتيجة، وهي قوله تعالى في خطابه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: "فإذا عزمت فتوكل على الله". وهذا يعني أن القرار في نهاية الأمر قراره، وأنه وإن كان ملزماً بالإستشارة، لكنه غير ملزم بالعمل بها وبما يشيره المشيرون سواء اتفقوا او اختلفوا، ويكون الداعي لوجوب الإستشارة، لو سلمنا دلالة الآية عليه، هو الإرفاق المذكور.

ويشبه هذا ما في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال لعبد الله بن العباس وقد أشار عليه في شي‏ء لم يوافق رأيه، أي رأي الإمام عليه السلام ويبدو أن عبد الله قد أصابته حزازة من جراء ذلك فقال له عليه السلام: "عليك أن تشير عليّ‏َ فإذا خالفتك فأطعني".

ونحن لا مشكلة لدينا في إلزام الولي غير المعصوم بالشورى، بمعنى أن يستشير ذوي العقل والرأي والإختصاص، كما أنه لا مشكلة لدينا في كون الشورى في عصر الغيبة وسيلة من وسائل تعيين الولي والتي قد تترجم في المصطلحات العصرية بكلمة الإنتخاب، لكن ليس الدليل عليه هو هذه الآية، كما أن الإنتخاب بالمعنى الذي ذكرناه سابقاً لا ربط له بإعطاء شرعية للوالي.

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾2.

وهذه الآية أقوى دلالة للقول بالشورى، بعدما وصفت أمر المسلمين بأنه شورى بينهم، فهي تصلح مبدئيا للإستدلال بها على كون الحكومة في الإسلام مرتبطة بالشورى بين المسلمين، وأنه لا بد من هذه الشورى على

22

مستوى تعيين الحاكم وتحديد طبيعة النظام السياسي والصلاحيات وكل ما يرتبط بأمور المسلمين، وكل ذلك هو تعبير آخر عن ولاية الأمة على نفسها.

مناقشة الإستدلال: ويناقش الاستدلال بهذه الآية: بأن الحديث فيها إما أن يكون عن خصوص مجتمع المسلمين في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو مجتمعهم في كل العصور، وعلى كل تقدير يجب أن يكون عصره صلى الله عليه وآله وسلم مشمولاً للآية لأنها مورد نزولها، ونحن نعلم بالقطع واليقين أن أمر المسلمين لم يكن كذلك في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا على مستوى حكومة الرسول وولايته ولا على مستوى إدارته وحكمه واختياره الشكل المناسب للحكم، بل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحاكم بأمر من الله تعالى، ولم تكن طريقته في الحكم إجراء استفتاء من المسلمين على شكل الحكم أو غير ذلك مما يتعلق بأمور الحكم، بل كانوا ينقادون لأوامر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى وإن كانت مخالفة لآرائهم كلهم أو لأكثريتهم، لأن هذا ما تعنيه للمسلمين جميعاً ولاية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولقسم من المسلمين ولاية الأئمة عليهم السلام الآتية من قبل الله تعالى لا من قبل الناس، فلو كانت الآية دالة على ولاية الأمة على نفسها وأن الرسول مجرد رجل من المسلمين، لكان هذا يعني إبطال ولايته لله، ولا يقول بذلك أحد.

فحتى يتم الإستدلال بالآية بالنحو المذكور يجب فرض أن مضمون الآية لا يشمل مجتمع الرسول، وهذا غير ممكن، لأن الآية التي تنزل في مورد لا بد على الأقل أن تشمل موردها، وعليه فيجب تفسير الآية بما يلائم انطباق الآية على ذلك المجتمع، والذي يرومه المستدل مخالف له.

والتفسير الصحيح، أن يقال: إن الآية تحمل دعوة إجمالية لعموم المسلمين تدعوهم إلى التعاضد والتكاتف كمجتمع متجانس يستشير بعضهم بعضاً في أمورهم الشخصية، وأن هذا هو شأنهم الذي ينبغي أن يكونوا عليه، وهذه دعوة في سياق دعوتهم إلى صفات حميدة أخرى. وهي دعوة لم يلحظ فيها الشؤون العامة للمسلمين، ولو فرضنا ملاحظة هذه الشؤون فهي لا تشمل أمر الولاية والحكومة وشؤونها وما يتعلق بها.

23

ولو فرضنا أنها تشمل بالإطلاق الحكم وشؤونه، فهي تشمله ضمن هذا السياق، وليس ضمن سياق إلزامي يعبر عن نظرية كما أرادها المستدل، لما بيناه سابقاً.

ونكتفي بهذا المقدار من البحث حول مسألة الشورى.

24

هوامش

1- آل عمران: 159.
2- الشورى: 37 و38.



يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2017, 05:47 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس العاشر: صلاحيات الولي الفقيه

لا خلاف بين العلماء المحققين في أنه بناء على الإستدلال لولاية الفقيه بالنصوص، يكون الثابت للفقيه جميع ما ثبت للمعصوم من حيث هو قائد وحاكم، ويستثنى من ذلك الصلاحيات التي كانت للمعصوم عليه السلام من حيث هو معصوم.

ويمثل لهذا الإستثناء بما قاله المشهور من علمائنا في مسألة إعلان الجهاد الإبتدائي، حيث قيل إن هذا الأمر من مختصات المعصوم، ولا يمكن تطبيقه في غير حال حضوره، سواء أقيمت حكومة إسلامية أم لا.

كما يمكن أن يمثل له بأن المعصوم يعين الإمام اللاحق له بينما الفقيه لا يملك هذا الحق، وذلك لأن ثبوت ذلك الحق للمعصوم كان ناشئاً من عصمته ومن عدم إمكان خطئه في تعيينه، وأن تعيين المعصوم يكشف عن تعلق إرادة الله تعالى بالمعيّن.


طرق معرفة الصلاحيات‏

ولذا لا بد من البحث لمعرفة وتحديد الصلاحيات التي ثبتت للحاكم في الإسلام. ولا بد في البداية من تحديد الطرق التي يمكن من خلالها استكشاف تلك الصلاحيات.

55

ويمكن تلخيصها بالطرق التالية:

أحدها: البحث التاريخي فيما قام به الرسول لله والإمام علي عليه السلام وما تحملاه من مسؤوليات على مستوى الحكم والإدارة.

ثانيها: ملاحظة النصوص المعتبرة لمعرفة الصلاحيات المنصوص عليها أو المدلول عليها بالملازمة التي قد تستبطنها بعض النصوص، فإن كل نص ذكر صلاحيات الحاكم بعنوان الإمام أو أمير، يكون شاملاً لكل حاكم شرعي في الإسلام، ونذكر نموذجاً لذلك رواية من نهج البلاغة:

فعن أمير المؤمنين عليه السلام في رده على مقالة الخوارج: "لا حكم إلا لله": قال عليه السلام: "كلمة حق يراد بها باطل! نعم إنه لا حكم إلاّ لله" ولكن هؤلاء يقولون: "لا إمرة إلا لله، وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع بها الفي‏ء، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح به بر ويستراح من فاجر"1.

ثالثها: الإستماع إلى صوت العقل فيما يقرره من ضرورات على مستوى الحكم والإدارة واحتياجات لا بد فيها من ولي.

رابعها: ملاحظة الأمور التي علم من الشرع إرادته لوجودها في مستوى الحكم والإدارة، وعلى مستوى تنظيم شؤون المجتمعات مما لم يوكل الأمر فيها إلى شخص محدد.


تحديد الصلاحيات‏

وإذا اعتمدنا هذه الطرق يمكننا أستخلاص ما يلي على سبيل المثال لا الحصر:

1- فهو العين الساهرة على تطبيق الأحكام الإسلامية والنظام الإسلامي.

56

2- وهو المسئول السياسي الأول عن اتخاذ جميع القرارات السياسية، والمسؤول عن تعيين الأشخاص في المواقع السياسية التي يحتاجها المجتمع ونظام الدولة، فبمقدوره الإستغناء عن رئيس للجمهورية ورئيس للحكومة وعن مجلس النواب ومجلس تشريعي، وبمقدوره تعيين كل ذلك، كما أن له أن يتنازل عن بعض هذه الصلاحيات فيقبل بانتخاب رئيس الجمهورية ونواب يكون مجلسهم هو المجلس التشريعي، ويمكنه أن يشرط ذلك بموافقته وقد لا يشترط بأن يكون هناك إمضاء عام من قبله لكل من ينتخبه الشعب، بلا حاجة إلى إمضاء خاص جديد بعد الإنتخاب.

وبالإمضاء نتخلص من بعض المشكلات التي قد تعترض طريقة انتخاب رئيس الجمهورية، شكلة هي في تحديد الموقف الشرعي لهؤلاء الذين لم ينتخبوه، والتخلص منها يكون بأن إمضاء ولي الأمر هو الملزم للجميع بمقتضى ولايته.

3- وهو صاحب القرار العسكري أي القائد العام للقوات المسلحة وجميع تشكيلاتها التنظيمية، وبالتالي فهو صاحب قرار الصلح والحرب والمسؤول عن تحصين الثغور وتأمين القوة الجاهزة لدفع الأعداء.

4- وهو المسؤول عن أمن نفوس الناس وأموالهم وأعراضهم.

5- وهو الولي على جميع الأموال الشرعية بما فيها الخمس والأنفال، والمسئول عن جبايتها، وهو و وارث من لا وارث له.

6- وهو المسؤول الأول عن القضاء، وبيده إجراء الحدود وتقنين العقوبات، وتعيين القضاة في البلاد والأمصار.

7- وهو الذي يراقب الوضع الإقتصادي بما فيها الملكية الفردية، وينظر فيما إذا كانت هناك حالات استغلال لأفراد المجتمع من قبل بعض الأغنياء، أو ما إذا كان هناك غنى فاحش إلى درجة تؤدي إلى اختلال الموازين الإجتماعية بما يتنافى مع العدل، وبما يؤدي إلى ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، فيتدخل الولي ويحدد سقفا للملكية الفردية حسب كل زمان ومكان.

57

قال الإمام الخميني قدس سره في كلمة أوردها في تاريخ 1358/8 /14هـ. ش2:

"ان الملكية الشخصية إنما تكون محترمة اذا كانت مشروعة، ولكن من صلاحيات الولي الفقيه التدخل وتحديد الملكية الشخصية حتى وإن كانت مشروعة، فالإسلام لا يعترف بالملكية الواسعة جدا وان كانت قد تجمعت من طريق مشروع، بل هناك حدود لهذه الملكية المشروعة ويحق للفقيه الحاكم الشرعي مصادرة ما يزيد عنها، والتشخيص في هذا الموضوع متروك إليه".

8- كما أن الولي الفقيه يمنع انحصار استغلال الطبيعة بفرد واحد أو أفراد قليلين، ويمنع الإحتكار ويصدر جميع الأحكام التي من شأنها تأسيس العدل الإجتماعي وعزة المسلمين، سواء على المستوى الداخلي أم على مستوى العلاقات الخارجية وأحكامه تكون مقدمة على جميع الأحكام الأولية.

قال الامام الخميني قدس سره في رسالة كتبت بتاريخ 136 /10 /16هـ. ش.ما خلاصته:

"لو كانت صلاحيات الحكومة محكومة بسقف الأحكام الفرعية الإلهية الكلية يصبح جعل الحكومة الإلهية والولاية المفوضة لنبي الإسلام لله لغواً، وسيسبب ارتباكات على المستوى العملي لا يمكن لأحد ان يلتزم بها، كشق الشارع المستلزم للتصرف في منزل، فان مقتضى الأحكام الفرعية الكلية هو عدم جواز هذا التصرف، ومثل نظام التجنيد الإجباري مع أن الأحكام الفرعية الكلية تقتضي عدم جواز ذلك إلا حين الوجوب العيني على كل مكلف، ومثل المنع من إدخال وإخراج العملات الصعبة ومقتضى الأحكام الشرعية الكلية جواز ذلك، ومثل المنع من إدخال وإخراج أي سلعة، ومثل فرض الجمارك والضرائب مع أن الأحكام الشرعية الأولية تقتضي حصر الضرائب بالخمس والزكاة ونحوهما مما أوجبه الشرع، ومثل تحديد الأسعار، ومنع الإدمان بأي نوع غير المشروبات الكحولية، ومنع حمل الأسلحة مهما كان نوعها، ومئات من أمثلة ذلك التي تصبح بمقتضى ذلك التقييد خارجة عن صلاحية الحكومة.

58

فالذي يجب قوله هنا ان الحكومة شعبة من الولاية المطلقة لرسول الله لله وهي من الأحكام الأولية المقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج، فبمقدور الحاكم ان يهدم مسجداً من اجل شق شارع، والحكومة تستطيع من طرف واحد ان تلغي العقود الشرعية التي عقدتها مع الناس حين يكون العقد مخالفاً لمصالح البلد والإسلام، ويمكنها المنع من أي أمر عبادياً كان او غير عبادي ان كان تنفيذه على خلاف مصالح الإسلام، كأن تمنع مؤقتاً من الحج الذي هو من الفرائض الإلهية المهمة حين يكون حسب تشخيصها على خلاف صلاح البلد الإسلامي"..

9- وهو الذي يشرف على الوضع الثقافي في الأمة وصيانته من أي تغرب أو بدع وتشويه، وعلى نشر المعروف ومنع المنكر: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ﴾3.

10- وبيده طلاق المرأة من زوجها إن رفعت أمرها إليه في الموارد التي يحق لها المطالبة بالطلاق.

11- وهو ولي من لا ولي له، والولي على الأيتام والقصر والمجانين وأموال الغائبين ونحو ذلك.

وغير ذلك من الصلاحيات الثابتة لهم عليهم السلام من جهة الحكومة والقيادة.

59

هوامش

1- نهج البلاغة، ج1، ص 19 بشرح محمد عبده.
2- نقلنا كلامه قدس سره مع بعض الإضافات منا.
3- الحج:41.


يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2017, 05:48 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الحادي عشر: الصلاحيات بناء على دليل الحسبة
عندما نتحدث عن صلاحيات الولي الفقيه بناءً على دليل الحسبة، فإن الحديث عادةً ينحصر في موارد ثلاثة هي:
1- أن يكون المورد من الموارد التي يتوقف عليها حفظ النظام أو من لوازم الحكومة وتشكيلاتها وإدارة البلاد.
2- أن يكون المورد من الموارد التي علمنا بحاجة المجتمع إليها حاجة ضرورية وإن لم يتوقف عليها حفظ النظام.
3- أن يكون من الموارد التي علمنا بأن الشرع لم يرض بتركها.
وعليه: فقد يقال إن صلاحيات ولاية الفقيه بناء على دليل الحسبة منحصرة فيما تتطلبه هذه الموارد الثلاثة دون غيرها، وفيما عدا ذلك من الموارد لن يجري دليل الحسبة ولن تثبت للفقيه ولاية فيها، لانه يقتصر في دليل الحسبة على القدر المتيقن، ومن هنا يُقال أيضاً: دليل الحسبة لا يثبت صلاحيات مطلقة حتى في الموارد المشار اليها سابقاً، بل لا بد وأن يقتصر على الحد الأدنى من الصلاحيات المحققة للمطلوب في تلك الموارد، بخلاف ما لو كان الدليل هو النص.
وهذا يعني أن هناك فرقاً بين الصلاحيات بناءً على دليل الحسبة وبين الصلاحيات بناءً على دليل النص فهل دعوى الفرق صحيحة؟
61
الذي يظهر بعد التأمل أن مقتضى دليل الحسبة أن الحاكم الذي يقوم بالدور الذي تتطلبه الحكومة وإدارة شؤونها هو الفقيه، وليس شأن العقل أن يحدد هذا الدور وحدوده، بل علينا أن ننظر أولاً هل في الإسلام ما يفيد في هذا المجال أم لا؟ فإن وجدنا لا تصل النوبة إلى حديث القدر المتيقن.
وبعبارة أخرى: هناك مرحلتان مطلوبتان للوصول إلى الصلاحيات قد تنقضيان بمرحلة واحدة وقد لا تنقضيان، وهما:
من هو الوالي في الحكومة الإسلامية ؟ وما هو رأي الإسلام في الدور والصلاحيات؟.
والأدلة اللفظية تمكنت من الإجابة عن كلا التساؤلين، أما الدليل العقلي أعني دليل الحسبة، فليس شأنه الإجابة عن السؤال الثاني بل عن السؤال الأول فقط، وإنما نحتاج إليه للسؤال الثاني إن لم نجد الإجابة في الشريعة، فإذا كانت الأدلة بمعزل عن أدلة ولاية الفقيه قد بينت هذا الأمر فإن الدليل العقلي المذكور لا يمنعنا من الأخذ بها.
فالسؤال الذي ينبغي أن يوجه: هل في الأدلة ما يدل على صلاحيات الحاكم الشرعي في الإسلام أم لا يوجد؟ فإن لم يوجد ربما صح ما تقدم من أن صلاحيات الحاكم محددة بالموارد التي يجري فيها دليل الحسبة.
والإنصاف أن الأدلة غير عاجزة عن إثبات ذلك، وذلك لأن هناك كبرى وصغرى، والكبرى تقول: هذه صلاحيات الحاكم الشرعي في الإسلام، والصغرى تقول الفقيه حاكم، وبضم هذه إلى تلك نستنتج أن هذه الصلاحيات هي أيضاً للفقيه بلا فرق بين أن تكون الصغرى ثابتة بالنصوص أم بدليل الحسبة، فالعبرة في تحديد الصلاحيات ليست بالصغرى بل بالكبرى، والكبرى يجب إثباتها إن أمكن بالنصوص والسيرة التاريخية للمعصومين عليهم السلام ونحو ذلك.
لكن الإنصاف يقتضي منا أن نعترف بأن ما قلناه خلاف المشهور، إذ المشهور بينهم أن سعة الولاية وضيقها يتبع الدليل، فإن كان الدليل نصاً لفظياً، ثبتت
62
سعة ولاية الحاكم في الإسلام، وإن لم يوجد النص ولم يكن لنا غير دليل الحسبة وجب إجراء دليل الحسبة على كل مورد يريد الفقيه إعمال ولاية فيها.
لكن الموارد المشار إليها لا تعني أن دائرة الولاية ضيقة جداً بل هي واسعة، لكنها ليست بنفس سعة الولاية الثابتة بالنصوص.
ودائرة الولاية بناءً على الإقتصار على القدر المتيقن تشمل كل ما يتعلق بإدارة شؤون الناس العامة مما يحتاج فيه إلى الولي وهي: ما يرجع إلى النظام العام الذي يتوقف عليه توازن الحياة للمسلمين وغيرهم بما يحفظ مصالحهم السياسية والإقتصادية والإجتماعية والأمنية ونحوها، ويقوم به نظام حياتهم كمجتمع.
ويجري على هذا القدر المتيقن جميع أحكام الولاية.
سراية الولاية إلى ولاة الولي‏
هل تنحصر الطاعة في باب الولاية بخصوص الفقيه أم تتعداها إلى غيره؟ فلو عين شخصاً والياً في منطقة، فهل تسري إليه هذه الولاية بحيث يصبح واجب الطاعة مثل الفقيه أم لا؟.
قد ذكرنا فيما سبق أن من صلاحيات الولي تعيين الولاة في المناطق أو في بعض الشؤون، وبناءً على نظرية ولاية الفقيه تسري الولاية حينئذ من الفقيه إلى كل شخص يوليه أمر منطقة ما أو شأناً ما، وهذا من لوازم الولاية، ومعنى ذلك أنه لا يجوز لكل من يخضع لولاية ذلك الشخص المعين من قبل الولي، أن يخالف أمره في دائرة صلاحياته، لأن هذا الولي هو أيضاً من النواب غير المباشرين للإمام المعصوم عليه السلام، والفقيه هو النائب المباشر له.
كما أن من مقتضيات الدليل العقلي هو ثبوت حق لمن يعينهم الولي، لأن العقل مدرك أن الشخص الواحد غير المعصوم لن يتمكن من القيام بمهامه بدون أن يلجأ إلى معاونين وولاة يفوضهم بعض الصلاحيات، وأن هذا التشكيل الإداري والحكومي من لوازم تشكل الحكومة وقيامها بمهامها.
63
لكن لما كان هذا المنصب من المناصب الخطيرة التي قد تزل فيه أقدام البعض، كان لا بد من تنبيه الطرفين على جملة مسائل يرقى بعضها إلى مرتبة الوجوب، منها ما يخص الوالي وولاته، ومنها ما يخص الرعية والمسائل هي:
1- على الوالي وولاته أن يختاروا للمواقع المقصودة أهل الكفاءة، ومن تتوافر فيهم صفات العدالة والأمانة والعلم، فلا يولي الناس محاباة لهم حتى لا يسي‏ء أحدهم استخدام السلطة وحتى لا يورط الناس فيما لا يريده الله تعالى.
وقد دلت على هذا المعنى مجموعة أخبار نذكر منها ما في عهد أمير المؤمنين عليه السلام للأشتر: "ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختبارا ولا تولهم محاباة وأثرة فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة".
2- وعليه أن يطهر بطانته من ذوي المقاصد السيئة، ففي عهد الأشتر: "إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف في معاملة، فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال عنهم".
3- وعليهم الإهتمام بالأمة بأفضل ما يمكن، مع رعاية العدل والحق، ففي عهد الأشتر: "وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها لرضى الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة... وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة فليكن صغوك لهم وميلك إليهم".
وفي العهد: "فافسح في آمالهم وواصل في حسن الثناء عليهم وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع وتحرض الناكل إن شاء الله".
4- ويتعين أن تكون هناك صلة وصل بين الفقيه الوالي والناس حتى يتمكن الناس من شكاية الولاة إليه إن كانت لديهم شكوى، أو أن ينشر العيون على ولاته حتى يتبين للفقيه مدى صلاحية الشخص الذي ولاه، وقد كان
64
أمير المؤمنين عليه السلام يراقب حركة ولاته وينبههم حين يطلع على سوء تصرف منهم، ويعزلهم إن اطلع على خيانة منهم، فإن الشخص ربما كان في بدايته حسن السيرة والإيمان لكن قد تفسده السلطة.
وفي عهد الأشتر: "ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية، وتحفظ من الأعوان، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهداً فبسطت عليه العقوبة في بدنه، وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام الذلة ووسمته بالخيانة وقلدته عار التهمة".
5- يتعين على الولاة أن يحسنوا الإدارة، وأن يراعوا جميع القواعد الشرعية في التعامل مع إخوانهم المؤمنين فلا تجذبهم الرئاسة إلى الإستعلاء عليهم والتكبر والغرور.
وفي عهد الأشتر: "ولا تقولن اني مؤمر فأطاع، فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة لدين، وتقرب من الغِير، وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك مما لا تقدر عليه من نفسك".
6- كما لا يحق له التعدي عن صلاحياته بل عليه التقيد بها، ويحق للفرد أن لا يطيعه إن كان المورد خارجاً عن صلاحيات الآمر، بل قد لا يجوز أن يطيعه في هذا المورد إن كان في الأمر خطأ.
7- وعلى الذين يعينهم الولي أن يلتفتوا إلى الأموال الشرعية التي توضع تحت تصرفهم، وليتذكروا دائما شمعة بيت المال التي كان يطفؤها أمير المؤمنين عليه السلام عندما تكون إضاءتها لمنفعة شخصية بحتة لا علاقة لها بالعمل، فليلتفت الأخوة إلى هذه الأمانة فلا يهدروا الأموال ولا يكون همهم في ترف مادي، فلا يزينوا لأنفسهم أن ذلك من مصالح العمل، بل عليهم رعاية الإحتياط قدر الإمكان في هذه الأمانة التي وضعت بين أيديهم.
65
وفي عهد الأشتر: "وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم، لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله، وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلاً... وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر".
يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2017, 05:48 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الثاني عشر: هل هناك خلاف بين الفقهاء في ولاية الفقيه؟

قد أشرنا فيما سبق إلى أن البحث عن ولاية الفقيه بين فقهائنا ليس بحثاً عن أصل الولاية، فإن مسألة الولاية وضرورة تشكيل حكومة إسلامية مع القدرة عليها هما من المسلمات بين علمائنا، عدا شرذمة ممن ذهب إلى أن تكليف المسلمين في عصر الغيبة هو الجلوس في البيت مهما كان الحال حتى يظهر الإمام الحجة، فلا يجوز لهم السعي لاستلام الحكم وإن تمكنوا من ذلك، وهذه الشرذمة لم يعتن بها علماؤنا الكرام، واعتبروها من شواذ الطائفة، لأن مؤدى كلامهم سقوط كثير من آيات القرآن والأحاديث عن أي قيمة اجتماعية في عصر الغيبة وخصوصاً آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا ما لا يمكن لمسلم ملتفت واعٍ أن يقبل به فكيف بعلمائنا الكرام.

فلا خلاف بين محققي علمائنا الأجلاء حول مبدأ الولاية وضرورة تشكيل حكومة إسلامية، ولو فرضنا وجود خلاف في هذه الضرورة فلن يكون هناك خلاف في جواز ومشروعية تشكيل حكومة إسلامية.

وإن عدم الخلاف المشار إليه ينتج أيضا بالضرورة عدم الخلاف على كون الولي هو الفقيه الجامع للشرائط، ولن تجد أحداً يرجح غير الفقيه على الفقيه، لأن من لم تتم عنده الأدلة اللفظية فلا بد أن يتم عنده الدليل العقلي أعني دليل الحسبة المعول عليه عند جميع العلماء الفقهاء المحققين، وقد

67

طبقوه في موارد متعددة كمورد الأيتام والقصر والحدود والقضاء وكثير من مصالح المسلمين العامة، ولم يكن التطبيق على هذه الموارد من باب الحصر. ومن أهم موارد الحسبة تشكيل الحكومة الإسلامية لما فيه من نشر للعدل والمعروف ورفع للظلم والمنكر، وترسيخ للقيم والمفاهيم والعقائد الإسلامية الصحيحة.

كما أنهم اتفقت كلمتهم على أنه يجوز أن يتولى المؤمن والفقيه في حكومة الظالمين من أجل هذه العناوين، فهل يا ترى سيحرّمون على المؤمن والفقيه الدخول في حكومة المؤمنين أو تشكيلها، أم هل سينظرون إلى حكومة المؤمنين على أنها حكومة ظالمين؟! هذا ما لا يمكن افتراضه إلا عند الشرذمة التي أشرنا إليها سابقاً.


تحديد موارد الخلاف‏

لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد خلاف أصلاً بين العلماء في موضوع ولاية الفقيه، بل الخلاف موجود، ولكن دائرته منحصرة في أمرين:

أحدهما: في وجود نص تام يدل على جعل الولاية للفقيه من قبل المعصومين عليه السلام، وهذا هو العنوان الذي اشتهر عرضه في الكتب الفقهية عندما يناقشون مسألة ولاية الصغير واليتيم فيستطردون لمناقشة ولاية الفقيه وولاية عدول المؤمنين، وهذا ليس خلافاً صًفيمن هو الحاكم في الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة، بل هم بأجمعهم يسلمون بأنه الفقيه، حتى أننا تتبعنا أقوال بعض العلماء الذين اشتهر عنهم القول بإنكار ولاية الفقيه فوجدنا أن انكارهم ينحصر بانكار النص لا بدليل الحسبة المثبت للولاية.

وستكون لنا وقفة خاصة مع آراء العلماء ومنهم الشيخ الأنصاري والسيد الخوئي الذين عُرف عنهما بأنهما كانا من أشد المنكرين لولاية الفقيه.

ثانيهما: في صلاحيات الفقيه الولي وحدودها، ونحن وإن بينا فيما سبق

68

ان صلاحيات الولي الفقيه تكون مطلقة وإن كان دليلها الحسبة، لكنه رأي لا يلزم الآخرين بشي‏ء، بل ربما كان خلاف المشهور بين العلماء على ما بينا سابقاً.


الإنكار المنسوب إلى بعض علمائنا

وربما تقول كيف تزعم أنهم متفقون حول مبدأ ولاية الفقيه والحال أنه قد اشتهر عنهم وجود خلاف بينهم فيها؟ بل نسب إلى الكثير من علمائنا نفي الولاية، وخاصة أمثال الشيخ الأنصاري والسيد الخوئي رحمهم الله.

ونجيبك: أن ما تتناقله الألسن حول هذه الشهرة غير دقيق، بل ينبئ عن عدم التدقيق في كلمات العلماء، الأمر الذي يجب فعله لنقف على حدود الخلاف القائم بين الأعلام حول هذه النقطة، والذي نستطيع تأكيده هنا أن المتسالم عليه وجود خلاف في الأمرين المتقدمين لا فيما عدا ذلك.


رأي الشيخ الأنصاري‏

كما أن الشيخ الأنصاري قدس سره المعروف بإنكاره لولاية الفقيه قال في كتابه المعروف باسم (المكاسب) ما يخالف ذلك:

"إن كل معروف علم من الشارع إرادة وجوده في الخارج له صورتان:

إحداهما: أن يعلم كونه وظيفة شخص خاص كنظر الأب في مال ولده، أو صنف خاص كالإفتاء بيد الفقهاء، أو )يعلم( كونه وظيفة كل من يقدر على القيام به، وفي هذه الصورة لا إشكال، لأنه يوكل الأمر حينئذ إلى من علمنا بأنه متروك له.

ثانيهما: أن لا يعلم ذلك، وحينئذ فإن احتُمل اشتراط نظر الفقيه، ففي هذه الحال يجب الرجوع في هذا المورد إلى الفقيه لتحديد الموقف، ويكون الفقيه هو الولي إن كان رأيه بحسب الأدلة جواز أن يتولاه، لعدم كون المورد من مختصات الإمام أو نائبه الخاص (والمراد من النائب الخاص من عينه

69

الإمام بالإسم للنيابة، ومن عين بوجه عام فهو النائب العام كالفقيه في نظرية ولاية الفقيه)، وإن علم أن الأمر من مختصات الإمام تركه وعطله، ومجرد كون المورد من موارد المعروف لا يعني أنه لا يختص بالإمام عليه السلام، وهذا وإن كان سيؤدى إلى الحرمان من هذا المعروف عند فقد الإمام عليه السلام وغيبته، لكنه سيكون كسائر البركات التي حُرمناها بفقده عجل الله فرجه الشريف".

وقد ذكر الشيخ الأنصاري في سياق نظره في الأدلة، أن التوقيع الصادر عن الحجة عجل الله فرجه الشريف والذي تقدم ذكره في الأدلة من أدلة ثبوت الولاية بالمعنى الثاني.

وفي نهاية البحث يستخلص ليقول: "وعلى كل تقدير فقد ظهر مما ذكرنا أن ما دلت عليه هذه الأدلة هو ثبوت الولاية للفقيه في الأمور التي يكون مشروعية إيجادها في الخارج مفروغا عنها، بحيث لو فرض عدم الفقيه كان على الناس القيام بها كفاية".

وتستطيع أن تستنتج أن الشيخ الأنصاري لم يرفض الولاية بالمطلق، بل قبل بها في جميع الموارد التي علم بحاجتها إلى الإمام ولم يعلم توقفها على خصوص الإمام، وهي الموارد التي لا يجوز تعطيلها، بحيث لو فرض عدم الفقيه لوجب على الناس القيام بها، فالشيخ الأنصاري يرى على الأقل ثبوت ولاية للفقيه في هذه الموارد.

وفي الواقع فإن الموارد التي ذكرها قدس سره هي الموارد التي ينطبق عليها دليل الحسبة، كما أن الدليل الذي ساقه هو دليل الحسبة.

ونحن نعلم أن الحكومة الإسلامية من الأمور التي تحتاج إلى الإمام، لكننا نعلم أن الأمر ليس متوقفا على حضور الإمام عليه السلام وإن كانت تحتاجه، لأن الضرورة الداعية لتشكيل الحكومة الإسلامية لم تسقط بالغيبة، وبناءً عليه يجوز للفقيه حسب رأي الشيخ الأنصاري وفق القاعدة التي حددها أن يتولى أمر الحكومة، بل يتعين عليه إذ لم يقم دليل على جواز تولي غيره لها ونحتمل اشتراطها بالفقيه.

70

فهذا الشيخ الأنصاري الذي ينسب إليه القول بعدم الولاية قد قبل بها بهذا المقدار.


رأي السيد الخوئي قدس سره

أما رأي السيد الخوئي فقد قال في كتاب الجهاد الملحق بمنهاج الصالحين بعدما أفتى بأن الجهاد الابتدائي لم يسقط في عصر الغيبة ما خلاصته: "إن ولاية هذا الجهاد والحاكم الذي ينفذ أمره فيه هو الفقيه"، (فراجع كلامه).

وقد تبين من مجموع ما تقدم أنه لا خلاف بين الأعلام لا في مبدأ مشروعية تشكيل حكومة إسلامية في عصر الغيبة، ولا في مبدأ ولاية الفقيه، وإنما النقاش في التفاصيل التي لا تؤثر على حق الطاعة للفقيه في إدارة شؤون البلاد وحكم العباد، خاصة إذا لاحظنا أن موارد الحسبة تسمح بولاية واسعة حتى مع الإقتصار على القدر المتيقن على ما أشرنا إليه سابقاً.



يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2017, 05:49 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الثالث عشر: طاعة الولي مع اعتقاد المكلف بالخطأ

لو قطع المكلف بخطأ حكم الولي فهل تجب عليه طاعة الولي في ذلك الحكم أم لا؟ وهذا سؤال مهم يرتكز على جوابه النظام الإجتماعي العام القائم على مبدأ ولاية الفقيه، وربما يستعجل المرء في الجواب فيقول: لا تجب طاعة الفقيه هنا وإن كان ولياً، لأن القطع حجة ومع حجية القطع لا مجال لأمره بخلاف قطعه كما ثبت في علم الأصول.

لكن الحقيقة أنه لا يمكننا هنا تطبيق مبحث حجية القطع، وذلك إستنادا إلى علم الأصول ايضاً، ولتوضيح السبب في ذلك نقول:

من المعلوم أن الولي عندما يصدر حكمه يحتاج إلى مقدمتين أساسيتين: تشخيص الواقعة والموضوع، وتحديد حكمها الشرعي الكلي المعبر عنه بالفتوى، والحكم يصدره الولي بعد تطبيق الفتوى على المورد.

وعندما نتحدث عن القطع بخطأ الولي فإن للقطع بالخطأ حالتين:

إحداهما: القطع بخطأ الولي في الفتوى التي استند إليها في حكمه.

الثانية: القطع بخطأ الولي في تشخيص الموضوع.

ومن المهم هنا ذكر أحد التقسيمات التي يذكرها علماؤنا في مباحث علم

73

أصول الفقه حول أقسام القطع، لما له من الأثر المهم في توضيح وجهة نظرنا حول حكم المكلف لو قطع بخطأ الولي.


القطع قسمان: طريقي وموضوعي‏

فقد ذكر علماء أصول الفقه أن القطع تارة يكون طريقياً، وأخرى يكون موضوعيا أي يكون دخيلا في موضوع الحكم، ولتوضيح هذين الإصطلاحين نذكر مثالاً على ذلك.

لو قال لي إن صليت بثوب نجس فقد بطلت صلاتك، ثم صليت بثوب، وعلمت بعد الصلاة أنه كان متنجسا، ففي هذه الحال تبطل الصلاة ويكون هذا العلم طريقياً، لأن الحكم ببطلان الصلاة كان قبل العلم به، لأن البطلان تابع لكون الصلاة قد وقعت بثوب متنجس، سواء علمت بذلك أم لم أعلم، لكن لو قال لي إن صليت بثوب تعلم بنجاسته حين الصلاة فقد بطلت صلاتك، ثم صليت بثوب لم أعلم حين الصلاة بنجاسته، لكني علمت بها بعد الصلاة، ففي هذه الحال لا تبطل الصلاة التي صليتها، لأن النجاسة ليست لوحدها موجبة للبطلان، بل الفرض أن موضوع البطلان هو النجاسة المعلومة حين الصلاة، فالعلم مأخوذ في موضوع البطلان وهذا العلم يكون موضوعياً.

الفرق بين القسمين‏

ومن الفوارق بين القطع الطريقي والقطع الموضوعي، أن القطع الطريقي هو الذي ذكر في علم الأصول أنه لا يمكن سلب الحجية عنه، بينما الموضوعي لا يوصف بهذا الوصف كما ثبت في ذلك العلم.

ومن الفوارق أيضاً، أن القطع الطريقي لا يختلف أثره بين أسباب القطع وأنحائه وخصوصياته، بينما القطع الموضوعي يمكن أن يكون المأخوذ في الموضوع قطع محدد إما بتحديد زماني أو بتحديد مكاني أو بتحديد شخص القاطع أو بسبب خاص أو بأي تحديد آخر.

74

أثر هذا التقسيم في البحث‏

وعند الحديث عن القطع بخطأ الولي بالتشخيص، علينا أن نحدد هل القطع بالتشخيص هو من القطع الطريقي أم من القطع الموضوعي، وعلى تقدير أنه موضوعي، فأي قطع هو الذي أخذ في الموضوع.

ومن الواضح أننا عندما نلتزم بولاية الفقيه سواء كان دليلنا النصوص الشرعية أم العقل، فإن مقتضى هذه الولاية هو كون تشخيص الولي في دائرة الولاية وحدودها دخيلاً في موضوع حكم العقل والشرع بوجوب طاعة الولي، سواء كان تشخيص الولي ظنيا أم قطعياً، لكن يشترط إن كان ظنياً، أن يكون الظن معتبراً، أما تشخيص غير الولي فلا يشكل موضوعا لحكم شرعي لا بحق القاطع ولا بحق الولي، وبالتالي فإن القطع المأخوذ في موضوع الحكم الذي تجب الطاعة فيه هنا هو قطع موضوعي لا طريقي، كما أنه ليس كل قطع مأخوذا في موضوع هذا الحكم، بل هو خصوص قطع الولي.

وهكذا نستطيع أن نقول هنا أيضاً بأن رأي الولي حتى في دائرة الإفتاء، له موضوعية في حكم الشرع والعقل.

وهذا الذي ذكرناه في هذا البحث متسالم عليه بين العلماء في مسألة الولاية كالولاية على الأيتام والقصر والغائب والقضاء وغيرها، أي في كل مورد جعلت فيه الولاية للفقيه، فإن العبرة حينئذ في مقام التطبيقات العملية لهذا المورد بالرأي الفقهي لهذا الفقيه دون غيره من الفقهاء وإن كان مرجعاً.

ولا يعني وجوب الطاعة في باب الولاية سواء الولاية على مستوى الحكومة أم ولاية القضاء أن الحكم الواقعي هو ما حكم به القاضي أو الوالي، بل نحن نعترف بأن القاضي أو الوالي قد يخطئ بالحكم لكن مع ذلك تجب طاعته ما دام غير مقصر وغير قاصر.

والدليل على ذلك: أمران‏

الأول: أن هذا هو معنى الولاية الثابتة بالنص والعقل، لأن الحكم الذي

75

يطلب من الولي الحاكم ليس حكماً فردياً ليوكل أمرالتشخيص فيه إلى المكلف الفرد، بل هو حكم من شؤون المجتمع وقد أوكل فيه الأمر فقط إلى الولي، نعم يمكن أن يكون لتشخيص غير الولي أثر من حيث أنه يهيئ مورداً من موارد الإشارة والنصح للولي بمعنى أن من يحصل له القطع بالخلاف يجب عليه تنبيه الولي.

الأمر الثاني: رواية عمر بن حنظلة، حيث فيها قاعدة لها نفع في باب القضاء خاصوصاً في وباب ولاية الفقيه عموماً. وهي التي نهى فيها الإمام عليه السلام عن رد الحكم بقوله: "فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم اللّه وعلينا رد، والراد علينا كالراد على الله وهو على حد الشرك باللّه". وهو نهي يدل بالدلالة الإلتزامية على أن رأي الحاكم له موضوعية في ترتيب الأثر.

وإذا أردت المزيد من التوضيح فانظر إلى باب القضاء مثلاً، فإنه لو ترافع شخصان عند قاض مجتهد له كفاءة القضاء فإن حكمه ملزم حتى وإن كان الرأي الفقهي أو تشخيص أحد الطرفين أو غيرهما مختلفاً عن تشخيص القاضي أو رأيه الفقهي، بل حتى لو قطع أحد الطرفين أو غيرهما بخطأ القاضي في تشخيصه ورأيه، فهذا لا يفيد القاطع شيئاً كما لا يلزم القاضي بشي‏ء، بل يجب على طرفي النزاع وغيرهما ترتيب آثار الحكم وإن قطع قاطع بخطئه، إلا إذا كان هناك إهمال أو تقصير أو قصور.

إمكان القطع بخطأ الولي‏

عند التدقيق سنجد أن تحصيل القطع بخطأ الفقيه في التشخيص أو في الفتوى أمر نادر الحصول، إذ أن الفتاوى والتشخيصات ليست بالأمر الحسي عادة حتى يمكن بوضوح وسهولة أن نقطع بالخطأ، والقدرة على تحصيل هذا القطع لا تتأتى من كل أحد حتى وإن كان فقيهاً فإن الفقيه لا يملك القطع تجاه كثير من آرائه الفقهية وإن حصلها من خلال الحجة.

76

تنبيه:

هناك حالات يمكن أن يسمح للمكلف بأن يعمل وفق علمه، وذلك إذا كان مدلول الحكم: إن كان هذا هو الواقع فالحكم كذا، فمن يرى الواقع غير هذا فالحكم منتف بحقه، وهذا المدلول او الصياغة للحكم تسمح للمكلف بأن يخالف إن تبين له أن الواقع هو غير ما افترض في الحكم، لأن الولي في المسألة المذكورة قد علق الحكم على موضوع ليس لتشخيص الولي دخل في موضوعيته، بل كان الواقع بتمامه هو الدخيل، وهذا النوع قد يسمى في كلمات بعض العلماء بالحكم الكاشف، وكمثال على ذلك: حكم الحاكم بدخول شهر رمضان أو العيد، فإن هذا الحكم نافذ في حق الشاك، أما مَنْ علم أن الشهر لم يدخل، فحكمه غير نافذ بالنسبة إليه ويستطيع هذا المكلف أن يخالف، لكن لا يجوز له أن يجاهر بذلك إن كان فيه تضعيفاً لمقام الولاية.

ولذا فإن الإمام الخميني قدس سره رغم أنه كان يرى الولاية المطلقة للفقيه قال في باب حكم الحاكم بالشهر، بأنه لا يجب على المكلف الإلتزام به مع القطع بالخطأ.




يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2017, 05:50 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الرابع عشر: حكم الخمس بناء على نظرية ولاية الفقيه

الخمس كما هو معلوم ينقسم إلى قسمين: سهم إمام، وسهم سادة، وحتى نستوفي البحث في الموضوع الذي نريد الحديث عنه هنا وهو: تحديد من هو المعني في عصر الغيبة في استلامه وصرفه على موارده، علينا البحث في علاقة الإمام المعصوم عليه السلام بالخمس بسهميه سهم الإمام وسهم السادة فنقول:

أولاً: علاقته بسهم الإمام عليه السلام.

وعند النظر في هذه العلاقة نجد أنفسنا بدواً أمام عدة احتمالات:

الأول: أنه ملك شخصي للإمام من حيث هو شخص.

الثاني: أنه ملك شخصي له لكن من حيث هو إمام.

الثالث: أنه ملك للحكومة الإسلامية وبيت مال المسلمين، والإمام ولي أمره.

وهذه البحوث رغم أهميتها لن نتمكن من التفصيل فيها لأن غرضنا الربط بين الخمس وولاية الفقيه.

والذي نستطيع قوله هنا أن منشأ دعوى الملكية هو قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى

79

وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾1 لكن يمكن نفي الإحتمال الأول والثاني ليبقى الثالث.

أما نفي الإحتمال الأول فمرده إلى أنه لو كان ملكاً شخصياً للإمام عليه السلام لوجب أن ينتقل ما يكون عنده من خمس إلى أولاده بالإرث عند الوفاة، وهذا ما لم يحصل كما لم يدعه احد على حد علمنا.

أما الإحتمال الثاني ففيه صورتان:

الصورة الأولى: أن يكون المال ملكاً شخصياً للإمام وسبب الملكية هي الإمامة وكأنه راتب قد قدمه الله تعالى للإمام، فهذا أيضا كسابقه يلزم منه جواز توريثه، ولم يقل به أحد.

الصورة الثانية: أن يكون المال ملكاً للمنصب أي للإمامة وليس لشخص الإمام عليه السلام، وهذا لا معنى له إلا بأن يكون المال مال للحكومة الإسلامية لأنها جهة الإمامة، وإنما يكون الإمام عليه السلام مالكاً للتصرف، ولذا أضيفت اللام.. فالله تعالى هو الولي الحقيقي، والرسول والإمام هم الولاة الذين خولهم الله تعالى التصرف.

وهذا معنى ما يقال من أن الخمس ملك بيت مال المسلمين يوزع في مصالح الإسلام والمسلمين والذي يتولى أمره الحاكم الشرعي.

وهذا هو حال الأنفال أيضاً في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ﴾2 وفيما ورد في الأخبار: "أن الأنفال لرسول الله ولنا بعده".

ثانياً: في علاقته عليه السلام بسهم السادة

المعروف بين علمائنا أن سهم السادة ملك للسادة، فلا يصرف في غيرهم،

80

وهناك رأي فقهي آخر يعتبر أن سهم السادة يصرف منه على السادة فإن فضل منه شي‏ء جاز صرف سهم السادة في مصالح المسلمين وفقرائهم.

وبناء على هذا القول سيكون حكم سهم السادة حكم سهم الإمام من جهة أنه تحت سلطة الإمام وولايته فلا يجوز للمكلف أن يبادر إلى تسليمه للسادة من دون أخذ إذن ولي الأمر فيه.


الخمس في عصر الغيبة

والمشكلة في مسألة الخمس تكمن في اعتقاد أن سهم الإمام ملك للإمام عليه السلام، فإذا بنينا على أنه ملك بيت مال المسلمين تحت ولاية الإمام عليه السلام، فإن الأمر يصبح سهلاً بناءً على نظرية ولاية الفقيه، أما سهم السادة فلا مشكلة فيه سواء بنينا على أنه ملك السادة، إذ يصرف حينئذ عليهم بلا حاجة إلى إذن الفقيه كما هو رأي جملة من العلماء، أم بنينا على أنه تحت ولاية الإمام عليه السلام ومصرفه الأولي السادة ثم غيرهم، إذ بناء على ولاية الفقيه يكون الأمر سهلاً أيضاً، إذ يكون الإمام عليه السلام هو ولي الخمس بقسميه وبناءً على نظرية ولاية الفقيه نتتقل هذه الولاية إلى الفقيه.

وإذا جاز للفقيه استلام الخمس بولايته عليه نيابة عن الإمام وجب أن نقيد الفقيه بشروط أقلها الكفاءة والأمانة في تحمل مسؤولية هذا المال وصرفه والإطمئنان إلى حسن إدارته له، فلا يجوز إعطاؤه لفقيه لا يتوفر فيه هذا الشرط وإن كان مرجع تقليد، كما يجوز إعطاؤه لكل فقيه توفر فيه الشرط وإن لم يكن مرجع تقليد، وإذا فرضنا وجود ولي على الأمة فهو الأولى من غيره بقبض المال، بل قد يجب دفع الخمس له إن طلبه أو إن حصرنا النيابة بشخص واحد هو الأفضل من كل الجهات كما هو الأرجح.

ولعل اشتراط الأفضل هو الداعي لتخصيص الخمس بالمرجع بأن يقال إن الذي ثبت أن له ولاية الخمس نيابة عن الإمام هو خصوص الفقيه الأعلم وهو المرجع، وهذا أحد مظاهر نظرية وحدة الولاية والمرجعية.

81

ولكن هذا التخصيص يستدعي شروطاً في المرجع لم تلحظ في باب المرجعية، أي يستدعي شرط كفاءة تحمل مسؤولية المال، ولم يشترطوا ذلك، وهذا غريب.

على أن بعضهم لا يشترط تقليد الأعلم فبأي وجه يلزم بالدفع إلى المرجع.

وقد تبين مما سبق أن الطريق الوحيد لإثبات ضرورة أن يدفع المال للفقيه هو إثبات ولايته. وليس هذا الطريق مبتدعاً من أجل أخذ المال بل هو طريق ثبتت صحته على ما بينا سابقاً.


ملاحظة أدلة ولاية الفقيه‏

ولا يفرق فيما ذكرناه بين أن تثبت ولاية الفقيه بالنصوص، أو بدليل الحسبة.

أما بناء على ثبوتها بالنص فواضح، لأن النص أعطى ولاية عامة للفقيه ومن جملتها الولاية على الخمس.

أما بناء على ثبوت الولاية بدليل الحسبة، فلأن دليل الحسبة يثبت لنا أن الولي في الحكومة الإسلامية هو الفقيه، وهذه الحكومة تأخذ كل صلاحيات الحاكم في الإسلام والتي من جملتها الأموال الشرعية التي ترجع ملكيتها إلى بيت مال المسلمين على ما تقدم، وبيت المال من شؤون الحكومة الإسلامية العامة.

ولو لم يقبل هذا الكلام فلنا طريق آخر وهو أن نجري دليل الحسبة في خصوص الخمس فنقول:

قد قام الدليل على أن الشرع لم يرد إهمال أمر الخمس في عصر الغيبة كما هو المعروف بين علمائنا، لأن إهماله مع وجوب دفعه يعني تكديسه وتعريضه للتلف وهذا إضرار بالمكلفين من دون أن ينتفع بالمال أحد، إلا أن يلتزم بأن الخمس غير واجب في عصر الغيبة وهذا أيضا باطل، لأن الخمس

82

بقي على وجوبه ولم يجعل مباحاً بين الناس، وحينئذ نقول لا دليل على أن الإمام عليه السلام قد أجاز المكلفين بصرف الخمس بعد أن كانت القاعدة فيه الحاجة إلى الإذن، فإذا افترضنا قصور الأدلة عن بيان من يحق له أن يجيز بناءً على عدم تمامية أدلة ولاية الفقيه اللفظية فهذا يعني أننا أمام احتمالين:

الأول: أن يتوقف صرف المال على إذن الفقيه، وبناءً على هذا الإحتمال لا تبرأ ذمة المكلف من الخمس إلا إذا دفعه للفقيه.

الثاني: أن يجوز للمكلف أن يصرفه بنفسه بلا حاجة للرجوع للفقيه.

والقدر المتيقن المبرئ للذمة هو اعتماد الإحتمال الأول، لأنه حسب الفرض لا دليل على الإحتمال الثاني، فلو صرفه المكلف بنفسه لا يحرز براءة ذمته من الخمس، والإشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية، ولا يقين بالبراءة إلا برعاية الإحتمال الأول، فيكون القدر المتيقن ممن يحق له التصرف في الخمس وصرفه هو الفقيه وهو الذي يتيقن معه المكلف ببراءة ذمته تجاه الخمس.

ثم إذا ثبت أن الأمر يرجع إلى الفقيه نسأل حينئذٍ: هل يجوز لمطلق فقيه أم ينحصر الأمر بالفقيه الأفضل من حيث الصفات؟ وبدليل الحسبة ايضا نستنتج وجوب دفعه إلى الفقيه الأفضل، فهو صاحب الحق بالتصرف ولم يثبت هذا الحق لغيره.

83

هوامش

1- الأنفال: 1.
2- الأنفال: 1 والوسائل باب 1 من أبواب الأنفال.


يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2017, 05:50 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الخامس عشر: وحدة الولاية وتعددها (1)
لم نكن مبتلين قبل غيبة صاحب الأمر عجل الله فرجه الشريف الموضوع وحدة الولاية والإمامة او تعددها، ولم تكن هناك أزمة عملية على هذا الصعيد، كما أنه لا أزمة فكرية لدينا حول هذا الموضوع باعتبار أن الإمام في المعتقد الشيعي إمام لجميع المسلمين وإن تخلف عنه الكثيرون لأسباب ليس هنا محل ذكرها.
ورغم وجود أكثر من معصوم في الزمان الواحد وأحياناً أكثر من معصومين، فإن الإمامة لم تكن إلا لواحد، علماً أن التعدد في الإمامة المعصومة لم يكن ليشكل مشكلة لأن العصمة تمنع وقوع أي مشكلة قد تنشأ من هذا التعدد.
وليس الحديث في الإمامة عن أن التعدد وقع أو لم يقع، بل الحديث عن إمكانية الوقوع، فقد دلت الروايات على أنه لا يمكن أن يقع وأن الله تعالى لا يريد أي تعدد على مستوى قيادة الأمة الإسلامية، وعن هذه الروايات ما روي عن هشام بن سالم قال: قلت للصادق عليه السلام: هل يكون إمامان في وقت ؟ قال: "لا، إلا أن يكون أحدهما صامتاً مأموماً لصاحبه، والآخر ناطقاً إماماً لصاحبه، وأما أن يكون إمامان ناطقان في وقت واحد فلا"1.
85
والروايات بهذا المعنى كثيرة ومن الواضح أن السؤال ليس إلا عن إمكانية وجود إمامين فكان الجواب بالنفي، ولم يكن السؤال عن وجود إمامين في دائرة اجتماعية واحدة بل في الأرض كلها ولو على نحو التقسيم.
ونحن في زمن الغيبة لا بد وأن نسأل علماءنا ما سئل عنه أبو عبد الله عليه السلام وعلى الجميع العمل على استخراج الأجوبة عن هذا السؤال: هل يكون في عصر الغيبة للأمة أكثر من ولي أم لا يكون؟.
ولم يقدم العلماء جواباً واضحاً عن هذا السؤال؟ والأصح أنهم لم يسألوا هذا السؤال في الأزمنة السابقة، لأن المسألة لم تكن محل ابتلاء، وما كانوا مبتلين به كان يقتضي التعدد كالقضاء والولاية على الأيتام والقصر والمجانين وغير ذلك، إذ لا يمكن أن يكون القاضي في الأمة الإسلامية واحداً كما لا يمكن أن يكون الولي على الأيتام ونحوهم بحيث يشرف على أمورهم واحداً أيضاً، كما أنه لو احتاج مجتمع إلى فقيه يرجعون إليه في شؤونهم العامة كان من شبه المستحيل في الأزمنة الماضية ان يكون الولي واحداً لجميع المجتمعات، حيث لا سلطة، وحيث الملاحقات وصعوبة الإتصالات، فالأمور التي كانت محط أنظارهم وميسورة لهم كانت تستدعي التعدد، أو كان التعدد يفرض نفسه فلم يخطر على بال أحد منهم أن يسأل عن مورد عام يشمل جميع المسلمين كمورد الحكومة هل يكون الحاكم واحداً أو يتعدد، بسبب عدم ابتلائهم، ولذا لم يتعرضوا له في كتبهم.
نعم تعرضوا لمسألة الوحدة والتعدد في الأمور العادية التي أشرنا لها، أعني الولاية على الأيتام ونحوهم، وبحثوه تحت عنوان جواز مزاحمة فقيه لفقيه آخر في هذه الأمور، ولكن بحثنا مختلف جوهرياً عن تلك المسائل، لأن تلك المسائل إن كانت تقبل التعدد في المجتمع الواحد فهذه لا تقبل هذا التعدد وتلك المسائل مرتبطة بموضوعات محددة، بينما هذه المسألة تتعلق بالأمة كلها وإن كانت تلك المسائل غير ذي أثر مبار على مستوى الأمة وأوضاعها، فهذه المسألة ذات آثار مهمة، فلا نستطيع أن نستفيد مما قالوه هناك رأيهم هنا.
86
ولا ريب أن عصر الغيبة مختلف عن عصر الحضور، فإن الإمامة إن لم تقبل التعدد فهذا لا يعني أنها تعددت في عصر الغيبة، بل لا زال الإمام على الأمة واحداً، وهو وإن كان غائباً لكنه حي موجود لا ندري إن كان يتدخل أو لا يتدخل ولا نعرف كيف يتدخل إن تدخل، ولما كان الإمام موجوداً وهو واحد فليس التعدد على مستوى الحاكم غير المعصوم بذلك الأمر غير الممكن فرضه على ما سنبين.
ومن هنا وقع الخلاف فيما إذا كانت ولاية الفقيه شاملة للأمة الإسلامية أم تتعدد بعدد المناطق والمجتمعات والحكومات، ومن ذهبوا إلى التعدد اختلفوا في الإستدلال عليه، فمنهم من اعتبر أن أدلة ولاية الفقيه لا تحمل جواب هذا السؤال ورأوا هذا كافياً للقول بالتعدد، ومنهم من تمسك بالإطلاق في أدلة ولاية الفقيه، ومنهم من تمسك بأن دليل ولاية الفقيه عقلي لا لفظي والعقلي يسمح بالتعدد.
رأي الإمام القائد في الوحدة والتعدد:
ليس لدينا تصريح مباشر من الإمام الخميني قدس سره لنعرف ما إذا كان من أنصار القول بوحدة الولاية أم بالتعدد، ولكن لدينا تصريح من تلميذه الإمام الخامنائي قدس سرهم اختار فيه وحدة الولاية وشمولها للأمة كلها، فقد أجاب عن استفتاء حول الموضوع بما يلي:
"ولاية ولي الأمر إنما هي بمنزلة إمامة أئمة أهل البيت عليهم السلام غير محدودة بقوم دون قوم، وبصقع دون آخر، وذلك لشمول الأدلة الدالة على ولايته لكل من ينتحل الإسلام والإيمان من دون أي تقييد وتخصيص".
المقصود من التعدد:
والذي يمكن أن يقصد من التعدد أحد أمرين:
أحدهما: أن يراد به الكثرة مع الإجتماع، بأن تكون الولاية لمجلس قيادة
87
يضم مجموعة علماء فقهاء عدول، ويكون المراد بالوحدة حينئذ انحصار الولاية بفقيه واحد تتوفر فيه الشروط.
وهذا المعنى من التعدد غير مقصود هنا كما أنه لا دليل ينفيه، وأدلة ولاية الفقيه لا تأباه، وإن كان يمكن المناقشة في مدى صوابية جعل الولاية لمجلس قيادة ومدى فاعليته على الصعيد العملي بما يتلاءم مع الأهداف.
ثانيهما: أن يراد به الكثرة من دون اجتماع، بمعنى أن يكون كل واحد منهم ولياً فعلياً مستقلا عن الآخر، وهذا المعنى له صورتان:
الأولى: أن يكون كل منهم ولياً فعلياً في دائرة اجتماعية واحدة كبيرة كانت الدائرة أو صغيرة، بمعنى أنه لو اجتمع في بلد واحد عدة فقهاء عدول أكفاء فإنهم بأجمعهم يكونون ولاة فعليين في تلك الدائرة، ويكون معنى الوحدة حينئذ أن الولاية في الدائرة الواحدة لا يمكن أن تكون على نحو الإستقلال إلا لواحد أو مجلس موحد سواء كانت هناك حكومة أم لم تكن.
وهذا المعنى لا يمكن قصده أيضاً إذ لا يمكن لأي عاقل أن يقبل وجود أكثر من حاكم في حكومة واحدة وأكثر من ولي في دائرة واحدة مع كون كل منهم والياً أو حاكماً بشكل مستقل عن الآخر، إذ لا نظم حينئذ ولا نظام ولا مجتمع ولا حياة اجتماعية بل هرج ومرج.
الثانية: أن يكون كل منهم ولياً فعلياً لكن مع تقسيم الدوائر بأن توزع المهام والمواقع ويكون كل فقيه أو مجلس فقهاء تتوفر فيه الشروط ولياً فعلياً في دائرة خاصة به فكل منهم في بلد أو مدينة أو منطقة، ويكون المراد بالوحدة حينئذ أن الولي في جميع الدوائر أي في الأمة كلها واحد أو مجلس موحد.
وهذا هو المعنى المطروح للنقاش في هذا الفصل.
إمكانية التعدد
علينا في البداية أن نعترف أن كلا الأمرين ممكنان، وإمكانية التعدد بالمعنى الذي ذكرناه تظهر على الأقل في فرض عدم إمكانية أن يكون هناك
88
ولي واحد لكل الأمة بأن كانت هناك عوائق تمنع من ممارسة هذا الدور، ولا بد في هذه الحال أن يوجد وليان كل منهما في منطقة تختلف عن الأخرى وإن كان أحدهما أو كلاهما يملكان أهلية قيادة الأمة بأجمعها، لكن الفرض المذكور نادر في هذه العصور مع تطور وسائل الإتصال.
كما يمكن فرضه في غير حال الإضطرار، إذ ليس ما يمنع في الشريعة ما دام الإمام المعصوم حياً أن يوكل أثناء غيابه مجموعة فقهاء يديرون شؤون الأمة في مواقع الحاجة وأن يتوزعوا في البلاد والأمصار ليكونوا بمثابة الولاة المعينين من قبله عليه السلام، كما هو الحال عند ظهور الإمام عليه السلام، وكما فعل أمير المؤمنين عليه السلام.
89
هوامش
1- عن البحار 25 كتاب الإمامة باب أنه لا يكون إمامان في زمان واحد.
يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2017, 05:51 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس السادس عشر: وحدة الولاية وتعددها (2)

هل الأصول الإسلامية والقواعد الدينية والأدلة الشرعية تفيد أن الأصل في الولاية تعدد الولاة بحسب تعدد مناطقهم؟ أم أنها تفيد أن الأصل هو وحدة الولي في جميع البلاد الإسلامية، أي أن يكون هناك ولي واحد فيها لكن على نحو الوجوب، بحيث لا يجوز أن يكون في الأمة أكثر من ولي واحد عليها، وإنما يلجأ إلى التعدد في حالات الإضطرار؟


تأسيس الأصل‏

هل المحتاج إلى الدليل هو القول بالوحدة أم المحتاج إلى الدليل هو القول بالتعدد؟ وهذا السؤال له أثر مهم في البحث، لأننا لو قلنا بالأول، فلازمه أن التعدد هو الأصل ويكفي القائل بالتعدد حينئذ عدم الدليل على الإتحاد، وإن قلنا بالثاني، فمعناه أن الأصل هو الإتحاد ويصبح القائل بالتعدد مطالباً بالدليل.

91

والظاهر أن الأصل يقتضي الإتحاد، فإذا نظرنا إلى المجتمع الإسلامي ككل واعتبرناه دائرة اجتماعية واحدة، لم يكن لنا خيار إلا فرض ولي واحد فيها إلا في حالات الضرورة، وأما في حالات القدرة فالقول بالتعدد يحتاج إلى دليل.

ثم إن عدم انضباط مقياس التعدد يفتح الباب واسعاً أمام تكثر الولاة بحسب الأحياء فضلاً عن المدن والبلاد، ويدفع إلى المزيد من التشتت والتفرق في المجتمع الإسلامي، إذ ما دمنا قد قبلنا بتعدد الولاة بحسب البلاد فلِمَ لا نقبل بتعدد الولاة بحسب المناطق أو بحسب الأمصار ولم لا نقبله على مستوى الأحياء فهذا تشتت، في تشتت وليس هذا هو مرام الإسلام يقيناً، وأنه بعيد جدا عن روح الإسلام وعما أسس في الإسلام.

وأما حديث أن الإمام عليه السلام كأنه يريد بث الولاة في البلاد والأمصار فهذا يمكن الركون إليه لو كان الإمام حياً ظاهراً يمكن للولاة الوصول إليه، أما وأنه غائب فإن مرجع دعوى إرادة الإمام لبث الولاة إلى دعوى إرادته لتفكيك الأمة والمجتمع المسلم مع كل ما يترتب على ذلك من مخاطر ومفاسد وهذا غير معقول، ولذا فإن قياس عصر الغيبة على عصر الحضور قياس مع الفارق، لأن الإمام عليه السلام كان على رأس الهرم وكان هو الناظر العام والولي التام فلم يضر التعدد بوحدة الولاية بل كان نابعاً منها.


أدلة وحدة الولاية

الدليل الأول: إن الآيات القرآنية والنصوص الشريفة تتعاطى مع المسلمين على أنهم أمة واحدة ومجتمع واحد ليس لهم إلا حكومة واحدة، وكذا حال الروايات، وكذلك هي مرتكزات المسلمين وسيرتهم من كلا الفريقين أعني السنة والشيعة، وأي تفكيك بين الأمة إلى بلاد وأمصار ينافي تلك الآيات والروايات والمرتكزات، صحيح أنهم تنازعوا فيما بينهم، لكن لم يكن النزاع في صحة وجود اكثر من ولي بل كان النزاع حول من يملك أهلية ذلك.

فوحدة الولي ووحدة الحكومة الإسلامية كانت أمراً مسلماً في ارتكاز المتشرعة من حين إنشاء الدولة الإسلامية على يد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وظهرت بوضوح أكثر بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم إذ كان النزاع الظاهر في السقيفة

92

وغيرها في من يكون ولي هذه الأمة، ولم يخطر ببال أحد أن يقسم البلد الإسلامي أو أن يدعو إلى تقسيمه إلى دوائر يكون لكل دائرة وليها الخاص.

الدليل الثاني: الآيات القرآنية والروائية التي تدعم ما ذكرنا، وأن المسلمين يجب أن يحفظوا ترابطهم فيما بينهم وأن لا يختلفوا ولا يتشتتوا، وإن تعدد الولاية مع إمكان الإتحاد يخالف كل تلك الروايات والآيات.

فمن الآيات:

قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾1.

فكيف يكون المؤمنون والمؤمنات أولياء وأنصار لبعضهم البعض، وكيف سيتعاونون فيما بينهم على نشر الشريعة وأحكامها وبث المعروف ومنع المنكرات إن تفككوا إلى مجتمعات وحكومات ودول.

وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾2.

ومن الروايات:

ما رواه الصدوق في الأمالي بإسناده عن الإمام الكاظم عليه السلام عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

"من فارق جماعة المسلمين فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، قيل يا رسول الله: وما جماعة المسلمين؟ قال: جماعة الحق وإن قلوا"3.

وما رواه في الكافي بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم، المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم"4.

وقد تقدم في الدرس الثاني بعض الروايات حول أن الإمامة نظام الأمة.

93

ونتيجة هذا الدليل هو أن الأمة الواحدة لا يمكن أن يكون فيها أكثر من حكومة واحدة وولاية واحدة وهو الإتحاد، فيجب على مدعي التعدد أن يدعيّ أن وحدة الأمة قد تم التنازل عنها في عصر الغيبة.

الدليل الثالث: إن هناك روايات دلت على أن المسلمين كأمة واحدة لا يكون لهم أكثر من رأس واحد، ومن هذه الروايات ما رواه الشيخ الكشي بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: "ما لكم وللرئاسات إنما للمسلمين (المسلمون) رأس واحد"5.

وهذا النص موافق للعقل وللإعتبار العقلائي في مقام الحكم والرئاسة، كما أنه صالح للإستدلال، سواء كانت النسخة "للمسلمين" أم كانت "المسلمون".

أما على الأول فواضح، إذ تكون الرواية صريحة بأن الأصل في مجتمع المسلمين رئاسة واحدة لهم جميعاً.

وأما على الثاني، فلأنه يدل مباشرة على كون المسلمين مجتمعاً واحداً ودائرة واحدة، وقد بينا فيما سبق أن المجتمع الواحد لا يجوز عقلا أن يحكمه أكثر من رأس واحد.

الدليل الرابع: أن ننظر إلى مصلحة الأمة ونقرر على أساسها ما الذي توجبه، وهي مصلحة واحدة لا تتحقق إلا بوحدةِ الأمة ووحدةِ قيادتها لا بتعددها وتعدد قادتها.

إن القول بالتعدد دون وجود جهة حاكمة عامة ذات سلطة يعرض مصالح الأمة للضياع، وإذا تم القبول بوجود مرجعية حاكمة على رأس كل والٍ حتى وإن كانت هذه المرجعية الحاكمة هي مجلس قيادي صاحب سلطة وقرار وولاية فهذا مرجعه إلى القول بوحدة الولاية.

ومن جميع ما ذكرنا يظهر ضرورة أن يكون الولي على الأمة واحداً وقد

94

كان ينبغي عد هذا من البديهيات، واعتبار أن تعدد الولاية وتقسيم الأمة إلى أقسام لا ينبغي طرحه في غير الحالات الضرورية التي لا يمكن معها الإتحاد.

ومن جميع ما تقدم يتبين أن القول بوحدة الولاية في الأمة لا تتوقف على النص الوارد في أدلة ولاية الفقيه.

95

هوامش

1- التوبة: 71.
2- آل عمران:103.
3- البحار، ج‏27 ص‏67.
4- البحار، ج‏2 ص‏148. والكافي كتاب الحجة باب ما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنصيحة.
5- الوسائل الجزء 11 من طباعة المكتبة الإسلامية الباب 50 من أبواب جهاد النفس. الحديث 12.



يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2017, 05:51 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس السابع عشر: الولاية والمرجعية

نظرية الوحدة:

كان الإمام الخميني قدس سره يميل إلى اتحاد الولاية والمرجعية إذا أمكن، وكان يسعى إلى إضافة شرط جديد في المرجعية تصير بموجبه المرجعية متحدة مع الولاية، ولكن لم تأخذ هذه الأمور جديتها اللازمة أو لم تأخذ الوقت الكافي ليستقر عليها الرأي في الحوزات العلمية مما اضطره أخيرا إلى أن يعلن أنه قد يكون الولي غير مرجع، ومراده من ذلك التمييز بين الولاية والمرجعية بالمعنى المعروف والشروط المعهودة، لكن لا بمعنى أن الولي يجب أن لا يكون مرجعاً.

وهذه المحاولة نجد أمثالها عند كل من استشعر الربط بين المجتمع والمرجعية، بحيث لا تستقيم هذه العلاقة إن اقتصرنا في شروط المرجعية على الشروط المعروفة التي تحصر المرجعية في الشأن الفردي ولم نأخذ بعين الإعتبار أهلية المرجع لقيادة الأمة.

ومن هؤلاء الذين سعوا ذلك السعي الشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر قدس سره الذي كان يدعو بشكل جاد إلى تحقق هذه المحاولة، ولذا عندما وجد ضالته في الإمام الخميني قدس سره دعا الجميع لا لكي يتبعوا الإمام فقط، بل ليذوبوا فيه، الذي يعني الإنقياد المطلق لقيادة

97

الإمام الخميني قدس سره. وقد طرح السيد الشهيد نفسه جندياً في هذا السبيل غير عابئ بالإعتبارات التي تحيط به لقناعته بأنه لا مرجعية أرشد من مرجعية الإمام الخميني رحمه الله.


لو تعدد المرجع والولي‏

ولا بد من استكمال البحث على ضوء الواقع القائم، حيث لا يلزم العلماء بتقليد الولي من حيث هو ولي وإن كان يجب تقليده أحيانا إن كان هو الأرجح بحسب مرجحات التقليد.

وفي هذه الحال يرد سؤال ملح يهم المكلفين عامة والذي يقلد غير الولي خاصة: هل هناك تعارض بين المرجعية والولاية؟ ويمكن التوسعة في الطرح إذ أن المكلف قد يكون مجتهداً وهذا، باتفاق الكل، عليه أن يقلد نفسه سواء قلنا بقيام الولاية والمرجعية في شخص واحد، أم لم نقل، فهل يجب عليه أن يكون تحت ولاية فقيه آخر أم لا؟.

وللإجابة عن التساؤلات السابقة نتحدث تارة في حكم المجتهد، وأخرى في حكم المقلد.

98

أما بالنسبة إلى المجتهد:

فحيث أنه بحسب الفرض أحد أفراد الأمة الذين تولى أمرهم فقيه آخر، فإنه يجب عليه كفرد من أفرادها أن يضع نفسه بتصرف هذه الولاية والإلتزام بأحكامها، و،جرد أنه فقيه لا يكفي للتهرب من التزامات الولاية، وليس في هذا أي منقصة لشأنه ولا مذمة في حقه ولا استهتاراً بعلمه، بل هذا من شؤون الورع والدين والتقوى والحرص على مصلحة الإسلام والمسلمين ونحوها من الصفات التي يجب على كل مكلف أن يتحلى بها.

أما بالنسبة إلى المقلد:

الذي يقلد شخصاً، بينما يكون الولي شخصاً آخر، فأيضاً يجب عليه أن يعمل في حياته الإجتماعية والسياسية وما يرتبط بشؤون الولاية بأمر الولي الفقيه، وليس له أن يتهرب من ذلك بحجة أنه لا يقلد ذلك الولي، كما لا يحق للفقيه المرجع غير الولي أن يتدخل في شؤون الناس بما يتعارض مع حكم الحاكم الولي الفقيه حتى وإن طولب بالتدخل من مقلديه، بعدما عرفت أن الفقيه نفسه ملزم بالعمل وفق حكم الحاكم الوالي.

وبوضوح أكثر نقول: إن الأدلة الدالة على ولاية الفقيه إما لفظية أو عقلية.

أما الأدلة اللفظية، فقد أعطت الولاية للفقيه، وقد تقدم معنا أن الولاية لا يمكن أن تكون لأكثر من واحد في دائرة اجتماعية واحدة، فكل مكلف في هذه الدائرة مكلف بالعمل وفق رأي الحاكم حسب ما دلت عليه هذه الأدلة اللفظية، فلو كان المكلف يقلد مرجعاً غير الولي، فليس لهذا المرجع حق الأمر والنهي في هذه الدائرة، وبالتالي لا يجوز له التدخل المباشر في حركة الناس، وإن كان يحق له أو يجب عليه أحياناً أن يقدم النصح والمشورة للفقيه الولي، لكن في النهاية الأمر والحكم الملزم والذي يجب العمل على وفقه هو أمر وحكم الفقيه الولي، فالمرجعية لوحدها لا تكفي مبررا لنقض حكم الحاكم، لا لنفس المرجع ولا بالنسبة لمقلديه ما دامت المرجعية شي‏ء والولاية شي‏ء آخر حسب الفرض، سواء كان الإختلاف بين المرجع والولي في الفتوى أم كان في التشخيص، كما أنه الحال كذلك في باب القضاء كما تقدم، بل لو كان الإختلاف في التشخيص فقط فالأمر أوضح، لأنه لا ولاية للمرجع في هذه الحال بل الولاية للفقيه الولي فقط فلا تصل النوبة للتعارض بينهما، فلو فرضنا أن المرجع والولي اتفقا في الفتوى واختلفا في التشخيص، فإن الذي يجب الأخذ بقوله هنا، هو من له ولاية التشخيص، وهو ولي الأمر، أما المرجعية فهي ولاية الفتوى فقط.

99

فالمشكلة لو كان هناك مشكلة يتأثر بها المكلف العادي منحصرة في مجالات الإختلاف في الفتوى، كما لو افترضنا أن الفقيه المرجع لا يرى الحرب بأي حال، بينما رأى الولي إمكانية إعلان الحرب في بعض الحالات، فإنه مع غض النظر عن التشخيص سيكون الإختلاف قائماً، لكن في هذه الحال حيث أن هذه الفتوى من مقدمات الولاية وإعمالها وقد دلت الأدلة اللفظية على وجوب طاعة الفقيه، يدل هذا على أن ولاية الفتوى لدى المرجع ساقطة في هذه الحال، إذ لا يوجد في الأدلة ما يسمح بترجيح الرأي الفقهي للمرجع غير الولي على الرأي الفقهي للولي، بل العكس هو الموجود وهو ما دل على لزوم طاعة الولي من الأدلة اللفظية.

ومثله لو كان الدليل عقلياً أي دليل الحسبة، فإنه بعد أن تيقنا بوجوب إطاعة الفقيه يكون هذا كافياً في تقديم رأي الفقيه الفقهي على رأي المرجع، لأن العقل يدرك بناءً على دليله، أن تقليد المرجع ينحصر مجاله بالأحكام التي لا تعارض ولاية الولي والحكومة العادلة.


نتيجة البحث‏

والنتيجة هي أنه لو جوّز البعض تقليد غير الولي كما هو عليه الحال في هذا العصر إلى أن يأتي العصر الذي تصحح فيه الأحوال وتتوحد فيه كلمة الحق حول وحدة الولاية والمرجعية، فإنه لا مجال لأن يجوّز أحد تقليد المرجع في الموارد التي تتعارض مع رأي الفقيه الولي والتي هي من شأن الولي والتي يؤدي التقليد فيها إلى عدم العمل برأي الفقيه الولي، لأن ذلك مخالف للأدلة المشار إليها سابقا الدالة على أن ولاية الإفتاء بغرض العمل المرتبط بالشأن العام منحصرة بالفقيه الولي، علماً أن الغالب هو التوافق بين العلماء الأعلام على المستوى الفقهي في الفتاوى المتعلقة بالموارد الإجتماعية والسياسة إلا ما ندر، أما التشخيص وإصدار الأحكام التي تحتاجها الأمة فليس من شأن المرجع على الإطلاق ما لم يكن هو الولي.



يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2017, 05:52 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الثامن عشر: هل يمكن أن يكون الولي غير معصوم؟

يقال: إننا نسلم لكم بأنه لا مشكلة عقلية أو شرعية من حيث المبدأ في أن يكون الولي بالنيابة عن الإمام عليه السلام غير معصوم، لكن هناك أخبار نهت عن أن يقوم الشيعة بهذا الدور في عصر الغيبة، ونهت عن الثورة وأمرت بالسكوت والصبر حتى يظهر الحجة عجل الله فرجه الشريف.

وهذه الأخبار قد ذكرها الحر العاملي رحمه الله في وسائل الشيعة1 وإليك نموذجاً منها:

1- خبر سدير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: "يا سدير الزم بيتك وكن حلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أن السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك".

ولا بأس بهذه الرواية من حيث السند.

وقد دلت أن على المسلمين أن يبقوا في بيوتهم لا يثورون حتى يخرج السفياني وهو زمان خروج الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف أيضاً.

2- رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: "كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله عز وجل".

وهذه الرواية صحيحة.

101

3- رواية عيص بن القاسم: قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:

"عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وانظروا لأنفسكم فوالله إن الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجي‏ء بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها.

والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرب بها ثم كانت الأخرى باقية يعمل على ما قد استبان لها، ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة فأنتم أحق أن تختاروا لأنفسكم.

إن أتاكم آتٍ منَّا فانظروا على أي شي‏ء تخرجون، ولا تقولوا خرج زيد فإن زيداً كان عالماً وكان صدوقاً ولم يدعكم إلى نفسه وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد لله ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه، إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه، فالخارج منا اليوم إلى أي شي‏ء يدعوكم؟ إلى الرضا من آل محمد لله؟ فنحن نشهدكم أنا لسنا نرضى به وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد وهو إذا كانت الرايات والألوية أجدر أن لا يسمع منا، إلا من اجتمعت بنو فاطمة معه فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه... ".

وهذه الرواية معتبرة.

ولمعالجة هذا النوع من الاخبار والنصوص نقول:

أولاَ: أن هذه الروايات المنقولة عن الإمام الصادق عليه السلام قد صدرت في زمن كثرتْ فيها الثورات والإنتفاضات باسم الأئمة، حتى أن بني العباس قد قاموا بثورتهم بهذا الإسم وهم لا يريدون إلا التسلط على العباد، فقد أراد الإمام عليه السلام أن ينبه الناس على ضرورة عدم الإنجراف وراء هذه العناوين البراقة، وإن سديراً نفسه راوي الرواية الأولى كان ممن يتأثر بهذه الرايات المنحرفة عن الإسلام حماساً للإسلام فيلهيه ذلك عن التدقيق.

فقد جاء في الأخبار عن المعلى بن خنيس أنه قال: ذهبتُ بكتاب عبد السلام بن نعيم وسدير وكتب غير واحد إلى أبي عبد الله عليه السلام حين ظهر المسودة قبل أن يظهر ولد العباس: بأنا قد قدّرنا أن يؤول هذا الأمر إليك

102

فما ترى؟ فضرب بالكتب الأرض وقال: "أفٍ أفٍ ما أنا لهؤلاء بإمام أما يعلمون أنه إنما يقتل السفياني"2.

وهذا الحديث يدل بوضوح على تأثر أصحاب تلك الكتب ومنهم سدير بالذين سماهم المعلى بالمسودة، وأنهم توهموا أن هذه راية الإمام، فنفى عليه السلام ودلهم على أن الإمام الذي سيوفق للثورة النهائية هو الذي يقتل السفياني أي صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف.

وهذا الذي قاله الإمام عليه السلام لا يتنافى مع إمكانية أن تقوم ثورة لا يدعي قائدها أنه الإمام الموعود، ولا يسعى لنفسه بل كل همه الحكم بما أنزل الله تعالى بالمقدار الممكن حتى يظهر الحجة عليه السلام.

ثانياً: تدل الرواية الرابعة على أن هناك نوعين من الخروج على الأنظمة والثورة على الحكام الظالمين:

أحدهما: ما يشبه خروج زيد الذي دلت الرواية على أنه كان خروجاً عن حق، وعنوان هذا الخروج أنه لم يكن يدعو لنفسه.

ثانيهما: الخروج بغرض تحقيق مطامع شخصية وإن كان الخروج باسم أهل البيت عليه السلام.

وقد دلت هذه الرواية على أن الخروج الباطل هو هذا النوع الثاني، وأن كل راية من هذا النوع يجب التحرز عنها واجتنابها وعدم الإنقياد إلى قادتها، لأنهم طغاة، وطاعة الناس لهم انقياد للمنحرفين وتسليم أنفسهم لغير الله تعالى، وهذا معنى قوله عليه السلام: "ويعبدون من دون الله".

وهذا ما نشهده في المسلمين المنقادين لأناس هم في واقع حالهم يدعون لأنفسهم، فاغتر الناس بهم وظنوهم يريدون الحق فانحرفوا معهم وضلوا وخرجوا عن ولاية الله تعالى، إلا أن تتداركهم رحمته تعالى ولو بسبب جهلهم وقصورهم.

ويؤكد ما ذكرنا أن الرواية المذكورة قالت: "إن أتاكم آتٍ منا فانظروا" ولم تقل فارفضوا، وهذا يدل على أن الإستجابة في حد ذاتها ليست محرمة بل مرتبط حكمها بطبيعة الدعوة التي يدعو إليها ذلك الشخص.

103

فالرواية المذكورة دلت على أن هناك معايير يجب رعايتها في التمييز بين راية الحق وراية الضلال، وتجلت هذه المعايير بقوله عليه السلام: "فإن زيداً، كان عالماً وكان صدوقاً ولم يدعكم إلى نفسه وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد لله ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه". والدعوة المرفوضة حينئذ هي دعوة من يخرج ويدعي أنه يريد الرضا من آل محمد ولكن عندما يظهر لا يفي بذلك.

وهذا الذي ذكرته هذه الرواية يشكل قرينة على أن المراد من قوله عليه السلام في آخر الرواية: "فالخارج منا اليوم" هو تشخيص واقع فعلي لا المنع المؤبد، كما أنه يشكل قرينة على أن المراد من الرايات في الروايات الأخرى الرايات التي تدعو لنفسها وتنصب أنفسها أئمة للناس بدون أخذ المعايير الشرعية بعين الإعتبار، فلو كان قادتها بروحية زيد وشخصية زيد لم يكن هناك مشكلة بل تكون طاعتهم حينئذ طاعة للحق وطاعة لله تعالى.

بل هناك روايات دلتْ على أن المقصود بهذه الرايات الموصوفة بأن صاحبها طاغوت، هي رايات الضلال، فقد روى في الكافي عن أبي جعفر الباقر: "ومن رفع راية ضلال فصاحبها طاغوت"3.

ثالثاً: إن بعض هذه الأخبار صدرت تقية حتى يشعر الحكام بأن شيعة أهل البيت عليهم السلام ليسوا في وارد الثورة عليهم فيأمنون إلى أن تتحين لهم الفرصة لذلك.

رابعاً: أن لدينا من الأدلة ما يكفي من العقل والكتاب والسنة تثبت بشكل قاطع وجوب الجهاد ضد الظلم ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعلاء كلمة الله والحكم بما أنزل الله تعالى، وهذه الأدلة تشكل قرينة على أن الروايات المشار إليها سابقاً لا يصح حملها على ما أراده المعترض.

أما دليلنا العقلي:

فهو ما تقدم في المقدمة من عدم معقولية أن يتركنا الله تعالى ويكلنا إلى الظالمين ليحكموا فينا إن أمكن أن نحكّم شرع الله تعالى فينا.

أما من الكتاب:

104

فآيات كثيرة دل بعضها على عدم جواز الركون إلى الظالم، ووجوب الحكم بما أنزل الله تعالى، وإقامة العدل بين الناس، وتنفيذ أحكامه ونشر المعروف والنهي عن المنكر، وهي آيات لم تسقط عن الإعتبار في عصر الغيبة.
أما من السنة:

فروايات كثيرة: منها: ما رواه ابن أبي عمير عن جماعة من أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: "ما قدستْ أمة لم يؤخذ لضعيفها من قويها غير متعتع"4.

وهذه الرواية صحيحة.

ومنها: ما ورد في علامات ظهور الحجة رحمه الله التي تتحدث عن رايات هدى تظهر قبل ظهور الحجة عجل الله فرجه الشريف كرايتي اليماني والخراساني وهما رايتان تخرجان قبل أن يخرج القائم، وهذا المعنى متسالم عليه بين العلماء ولا أقل من التسالم على إمكانه.

والخلاصة: أنه يجب أن نفهم هذه الأخبار بالطريقة المتلائمة مع الكتاب والسنّة، فالمقصود بها الردع عن التسرع في الإنقياد خلف كل راية، وعن الإلتحاق بالرايات التي تريد أن تسخرنا لأنفسها وأغراضها بعيداً عن الدين وعن رضا أهل البيت عليهم السلام، وأن لا تغشنا عناوين الناس وعناوين الرايات كأن يكون رائدها مسلماً بالهوية أو ممن يدعي حب أهل البيت عليهم السلام وهو في مسلكه ليس من المحبين.

ومن مجموع ما تقدم تعرف لماذا لم يذهب أحد من علمائنا المحققين إلى عدم جواز الثورة ضد الظلم، ولماذا اختاروا القول بجواز بل وجوب السعي لإقامة العدل بين الناس والمنع من المنكر وإحقاق الحق، ولم يقبل أحد منهم أن يستفاد أي استفادة سيئة من هذه الروايات التي هي في مقام آخر يختلف كلياً عن مقام الثورة من أجل الحق بقيادة رموز الحق، وإن سمعت أن بعضهم ذهب إلى عدم مشروعية الجهاد ضد الظلم فاعلم أن المنقول عنه من غير المعتبرين في عالم العلم والعلماء.

105

هوامش

1- راجع كتاب وسائل أبواب جهاد العدو الباب الثالث عشر.
2- الوسائل الباب الثالث عشر من أبواب جهاد العدو الحديث الثامن.
3- الكافي الجزء الثامن (الروضة) الحديث 456.
4- الوسائل الباب الأول من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحديث التاسع.


يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 22-03-2017, 05:52 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: بالأمس 03:43 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس التاسع عشر: هل يلزم الديكتاتورية؟

أثير موضوع الديكتاتورية وولاية الفقيه في بدايات انتصار الثورة بشكل واسع من قبل جمع قليل من الذين لم يعجبهم أن تختار الأمة نظام الجمهورية الإسلامية المرتكز على مبدأ ولاية الفقيه، وأبدوا رفضهم باعتراضات أثاروها منها دعوى أنه يلزم من نظرية ولاية الفقيه الديكتاتورية، وأن يكون الحكم المبني على أساسها نظاماً دكتاتورياً!

وقد تصدى الإمام الخميني قدس سره بنفسه لهذه الدعوى كما تصدى لغيرها من الأمور التي طالتْ نظرية ولاية الفقيه، إذ لم يكن يسمح بأي تهاون بها حتى أنه دعا جميع خطباء الجمعة في ذلك الوقت لبيان مسألة ولاية الفقيه بشكل واضح، حتى لا يقع الناس في شباك أولئك الذين أرادوا زعزعة ثقتهم بهذا المبدأ المقدس.

وقد كان أساس تلك الشبهات ومنشؤها هم الأعداء، وإن كان بعضها قد ينطلق من سذجٍ، انقادوا لبعض المفاهيم والأفكار، لكن بالتأكيد فإن الجو الذي يدعو لمناقشة مبدأ ولاية الفقيه بطريقة مسيئة هو جؤ معادٍ سواء كان المناقش منهم أو كان يظن نفسه من المقربين، حتى أنك ترى الغضب والغيظ في كلمات هؤلاء الذين يكتبون ضد مبدأ ولاية الفقيه ولا تجد مبرراً لهذا الغيظ سوى حقد أو انحراف خطير عن دين الإسلام.

107

رد شبهة الديكتاتورية:

وإنما سميناها شبهة لما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: "وإنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق، فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين ودليلهم سمت الهدى، وأما أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال ودليلهم العمى"1.

وسنكتفي في الرد على هذا الشبهة بما فهمناه من كلمات الإمام الخميني قدس سره في هذا الصدد، والذي يمكن استخلاصه من كلامه قدس سره في الرد عليها هو ما يلي:

أولاً: ليس من الديكتاتورية في شي‏ء أن يكون النظام المعتمد في إيران الذي أيدته أكثرية الشعب بحيث تجاوزت نسبة التأييد التسعين في المائة دون ضغط أو إكراه، فالشعب بغالبيته العظمى أيَّد ولا يزال نظام الجمهورية الإسلامية المبني على مبدأ ولاية الفقيه كما نص عليه الدستور.

ثانياً: الديكتاتورية متجسدة في كلمات المعترضين، إذ يحاولون وهم القلة أن ينصبوا أنفسهم في موقع يحسبون أنفسهم أوصياء على الشعب والأمة، والحال أن الشعب لم يرض بذلك منهم بدليل أنه خالفهم، وهؤلاء عندما ينصبون أنفسهم في هذا الموقع يسعون لفرض رأيهم وإثارة جو نفسي وزعزعة ثقة الشعب والمسلمين بهذه الجمهورية والثورة، وهذا نحو من أنحاء الديكتاتورية.

ثالثاً: إن من يدعي أن مبدأ ولاية الفقيه يستلزم ديكتاتورية فلا ريب أنه جاهل بهذا المبدأ وأهميته وقدسيته، بل العكس هو الصحيح، فإن الحامي للحريات وفق المبادئ الإسلامية والحامي لإرادة الشعب وحقوقه والمدافع عنه هو مبدأ ولاية الفقيه الذي يقوم بمهمة الإشراف على أمور البلد حتى لا ينحرف أحد ممن يمكن أن يستلم مقدرات البلد.

108

فهو الذي يمنع رئيس الجمهورية من أن ينحرف وأن يحكم بهواه، وهو الذي يمنع رئيس الوزراء من أن ينحرف ويحكم بهواه، وهكذا الكلام بالنسبة لأي مسؤول، كما أن مبدأ ولاية الفقيه يمنع الفقيه نفسه أن ينحرف وأن يحكم بهواه ولا يحق له ذلك أصلاً بل عليه أن يحكم وفق رأي الإسلام حسب اجتهاده والمفروض أنه بذل جهده كله للوصول إلى هذا الرأي واستكشافه من خلال وسائل الإستنباط الممكنة له، والمفروض أنه مجتهد قادر على استنباط الأحكام الشرعية.

كما أن عليه بذل الجهد في تمحيص الوقائع وتشخيصها حتى يطبق عليها حكمها الإلهي ويحكم على وفقه، والمفروض في الفقيه الولي العدالة والورع والكفاءة بل الأكفئية في تحقيق كل ذلك، كما ان المفروض ان في الأمة علماء وتقاة وثقاة ورعون يراقبون حركة الفقيه وبإمكانهم عزله إن انحرف وصار يحكم برأيه، وقد صان الدستور هذا الحق للخبراء وللأمة.

وإنما يكون الحكم ديكتاتورياً إذا استند الحكم إلى الرأي الشخصي بعيداً عن أي اعتبارات صحيحة وأجبرهم على اتباعه، وإنما يكون الحكم ديكتاتورياً إن كان الحكم وفق الهوى متاحاً للحاكم، وكان الحاكم قادراً على أن ينفذ جميع رغباته بدون أن يتجرأ أحد على معارضته.

والإنصاف أن كثيراً من مدعي الحرية والمطالبين بها هم في واقعهم يريدون أن يكونوا حاكمين ديكتاتوريين، لأنه ما من حاكم حكم أمة إلا وكان الهوى رائده، ويكاد يندر أن تجد أمة أو شعباً يخضع فيها الحاكم لضوابط تكون حاكمة عليه كما تكون حاكمة على الأمة، ومبدأ ولاية الفقيه يجعل الفقيه كغيره من أبناء الأمة خاضعاً للقانون والتشريع الإسلامي فلا يستطيع أن يحيد عنه قيد أنملة، وعند التدقيق نجد أن أقوى ضمانة يمكن أن يقدمها الإسلام للمنتسبين إليه في عصر الغيبة هو مبدأ ولاية الفقيه.

نعم لو أريد من الديكتاتورية حكم الرجل الواحد لصح هذا التعبير، لكنه تعبير يحمل المغالطات الكثيرة، فحكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حكم الرجل الواحد

109

ومع ذلك لا يستطيع عاقل مسلم أن يقول إن حكمه كان ديكتاتورياً وكذا حكم أمير المؤمنين عليه السلام. فليس كلما كان الحكم حكم الرجل الواحد كان الحكم ديكتاتورياً بل ربما كان الحكم ديكتاتورياً مع كون الحاكم مجموعة من الناس لا يوجد بينهم أي رابط حزبي، وربما يحكم الرجل الواحد فيجسد أرقى مظاهر الحرية المسؤولة والمشورة وفق القيم الصحيحة التي نراها متجسدة بالإسلام.

وللأسف فإن كثيراً من المعترضين بالديكتاتورية وغيرها من الإعتراضات على نظام ولاية الفقيه يريدون في الحقيقة الخروج من حكم الإسلام والتفلت من قيوده وتشريعاته، ومشكلتهم الأساسية مع الدين نفسه، يريدون أن تكون لهم كلمة في مقابل كلمة الله وكلمة الله هي العليا لو كانوا يفقهون.

رابعاً: على أن هؤلاء المعترضين لن يعترضوا بهذا الإعتراض لو كانت الصلاحيات كلها التي ثبت في الإسلام أنها للفقيه قد أعطيت لإنسان آخر غير فقيه بل وغير مسلم، بل ربما سيمدحون الشخص والنظام، ولكنهم يعيشون عقدة الإسلام ولا يتجرأون على قول ذلك.

خامساً: على أنه في دستور الجمهورية قد حُددتْ للفقيه صلاحيات هي أقصر دائرة من صلاحياته الأساسية، وإنما وافق عليها الإمام الخميني وتلاميذه من مؤسسي الجمهورية المباركة لأن الإمام مؤمن بإعطاء دور للأمة.

سادساً: كما أن الفقيه يمارس الشورى بأفضل طرقها وهو ملزم شرعاً وعقلاً بالإستشارات في بعض المواضع.

بل نجد أن الإمام الخميني قدس سره وهو الولي الفقيه الذي كان بإمكانه أن ينفرد بالحكم ولم يكن ليعترض عليه أحد نظراً لعمق المحبة له في قلوب الشعب المسلم في الجمهورية الإسلامية في إيران بل وخارجها وجميع المستضعفين في الأرض، قد أسس لعمل جماعي يخرج فيه الحكم عن حكم الرجل الواحد، ليكون المستقبل أكثر ضماناً للأمة والمجتمع من خلال تشكيل المؤسسات التي شُرِعِّتْ في الدستور وأُعطِيتْ صلاحيات وتجسدتْ بذلك

110

أرقى مظاهر الشورى إن على مستوى التشريع أو على مستوى القضاء أو على مستوى الحكم عامة، كمؤسسة المجلس النيابي التشريعي، ومؤسسة مجلس الوزراء، ومؤسسة مجمع تشخيص المصلحة، ومؤسسة شورى القضاء، ومؤسسة مجلس الخبراء، ومؤسسة مجلس المحافظة على الدستور وغيرها من المؤسسات، وهذا كله من نتاج ولاية الفقيه تحت إشراف الفقيه المسدد الإمام الخميني المقدس قدس سره.

والخلاصة: أنه لا ينبغي لإنسانٍ‏ٍ فهم ولاية الفقيه أن يعترض بهذا الإعتراض، لكن غالب المعترضين هم للأسف إما جهلة بهذا المبدأ أو يعيشون عقدة من الفقهاء أو من الإسلام أو من كل ما هو دين، أو هم قوم خبيثوا النية يريدون التسويق لأفكار غريبة عن الأمة لأهداف شيطانية وهو ما لن يخفى على أي متتبع، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره المشركون والكافرون.

وسنشهد تكرر هذا الإعتراض كلما سنحت الفرصة بذلك لا بهدف البحث عن حل له، بل بهدف التشويش على هذا المبدأ المقدس وبهدف تضييعه وتضييع المجتمع الإسلامي القائم عليه.

إن ضمانتنا الكبرى في عصر الغيبة ليس في ولاية الأمة على نفسها، بل ضمانتنا في مبدأ ولاية الفقيه، ولا يمكن لأي مجموعة من الناس أن تزعزع ثقتنا بهذا المبدأ، ولا أن تجعلنا نقنع بغيره من أسس الحكم، فما وجدنا ولن نجد أماناً في ظل أي شي‏ء آخر.

ثم إن النقاش مفتوح على المستوى العلمي والفكري سواء في صلاحيات الفقيه الولي أم في مبدأ ولاية الفقيه، لكن بروحية استكشاف ماذا يريد الإسلام، لا من خلفية ما الذي يعجبنا وما الذي لا يعجبنا، وهذا يستدعي حسن رعاية لأسلوب النقاش وزمان ومكان عرضه ولا يتلاءم أبداً مع أي طريقة أخرى تهدف عن قصد أو غير قصد إلى تشويه صورة المبدأ أو إلى جرأة الآخرين على هذا المبدأ.

111

هوامش

1- نهج البلاغة ص‏81.


يتبع

الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع

يمكن للزوار التعليق أيضاً وتظهر مشاركاتهم بعد مراجعتها



عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:
 
بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا بإمكانك إضافة موضوع جديد
بإمكانك إضافة مشاركات جديدة
لا بإمكانك إضافة مرفقات
لا بإمكانك تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع :


جميع الأوقات بتوقيت بيروت. الساعة الآن » [ 01:34 AM ] .
 

تصميم وإستضافة الأنوار الخمسة © Anwar5.Net

E-mail : yahosein@yahosein.com - إتصل بنا - سجل الزوار

Powered by vBulletin