منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
موقع يا حسين  
موقع يا حسين
الصفحة الرئيسية لموقع يا حسين   قسم الفيديو في موقع يا حسين   قسم القرآن الكريم (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم اللطميات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم مجالس العزاء (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم الأدعية والزيارات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم المدائح الإسلامية (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم البرامج الشيعية القابلة للتحميل في موقع يا حسين
العودة   منتديات يا حسين > الأرشيف > المنتدى الرمضاني
اسم المستخدم
كلمة المرور
التّسجيل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم جعل جميع المنتديات مقروءة

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 13-06-2016, 11:08 AM
موحدون موحدون غير متصل
عضو نشط
 

رقم العضوية : 103239

تاريخ التّسجيل: Dec 2012

المشاركات: 578

آخر تواجد: 11-05-2017 10:43 AM

الجنس:

الإقامة:

سماحة الشيخ بناهيان : لنذق طعم حلاوة ضيافة الله


لنذق طعم حلاوة ضيافة الله ـ 1

سماحة الشيخ بناهيان: ما ينبغي أن يكون شعورنا تجاه شهر رمضان؟

كتاب «مدينة الله؛ شهر رمضان وأسرار الصيام» ـ باللغة الفارسية ـ لسماحة الشيخ بناهيان والذي قد نزلت إلى الأسواق الطبعة الثامنة منه، يشتمل على نقاط ورؤى جديدة وعمليّة للانتفاع الأكثر من شهر رمضان وقد كتب بلغة سهلة وبسيطة. فوددنا أن نستقبل أيام شهر رمضان ولياليه الجميلة بمقاطع ومقتطفات من هذا الكتاب. فإليكم القسم الأول من هذه المقاطع

ما ينبغي أن يكون شعورنا تجاه شهر رمضان؟

طيب، إن هذا الشهر المبارك مع ما ينطوي عليه من روعة وجمال، والذي دعانا إلى ضيافة الله، وجعل الله مضيّفنا، فما ينبغي أن يكون شعورنا تجاهه؟ وبأي قلب يجب أن نستقبل رمضان؟ فمع وجود كل هذه الوعود الإلهية الرائعة في هذا الشهر، هل ينبغي أن نستقبل شهر رمضان بشوق وفرح وحسب؟ أو أن للخوف والخشية محلا في هذا البين؟
لا شك في أن أول ما يتبادر إلى القلب هو الاغتباط بلذّة توفيق الحضور في مثل هذه الضيافة الكريمة. ولكن كلما كان الشوق مصحوبا بالخوف، سبقه الخوف في إظهار نفسه وكأنه يطلب من الإنسان أن عالج الخوف وأرح بالك منه أولا، ثم أسرع إلى شوقك. وأنتم تعلمون جيدا أن الخوف إنما ينبثق من القلب الشائق وإن الشوق هو الذي يفرض على الإنسان الخوف من المخاوف والمخاطر وأن لابدّ من معاملتها بكلّ حكمة وعقل.

هيبة شهر رمضان

نحن إن كنّا قد صدّقنا بالحضور بين يدي المضيّف في هذه الضيافة، وأدركنا عظمة ربّ شهر رمضان، سيعتري قلبنا الخوف ـ بلا شك ـ من سوء الأدب في هذا المجلس العظيم، مضافا إلى شعور الاغتباط بهذه الضيافة. كما أنه قبل الاستعداد للحضور في هذا الحفل العظيم، ستعترينا الرهبة من تجلّي كل هذه العظمة أمام وجودنا الحقير.
ألم يقل الإمام السجاد في دعاء وداع شهر رمضان: «وَ [ما] أَهْيبَكَ فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ» [الصيفة السجادية/الدعاء45] فمن أين أتت هذه الهيبة؟ من الواضح أنها ناجمة من التقرّب إلى محضر ربّ العالمين، وإما ناشئة من أهمية مراعاة آداب شهر رمضان وأداء أعماله، لئلّا يتعدّى الضيف الأدبَ على ساحة القدس الربوبي أو على مجلس ضيافته الكريم.
عندما كان رسول الله(ص) يتحدث مع جابر بن عبد الله عن بركات شهر رمضان، عرّج على شروطه وآدابه وقال: «يا جَابِرُ هَذَا شَهْرُ رَمَضَان مَنْ صَامَ نَهَارَهُ وَ قَامَ وِرْداً مِنْ لَيلِهِ وَ عَفَّ بَطْنُهُ وَ فَرْجُهُ وَ کَفَّ لِسَانَهُ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ کَخُرُوجِهِ مِنَ الشَّهْر» فاسترّ جابر من ثمرات شهر رمضان وبشاراته وقال: «يا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحْسَنَ هَذَا الْحَدِيثَ» فأجابه النبي(ص) وقال: «يا جَابِرُ وَ مَا أَشَدَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ»[الکافي، ج4، ص87، باب أدب الصائم، ح 2] ففي الواقع أراد النبي(ص) أن يلفت نظر جابر إلى أهميّة شهر رمضان وخطره. ولا شكّ في أن النبي(ص) يريد من أتباعه أن يكونوا في قلق مراعاة آداب شهر رمضان أكثر من البهجة والتمتع ببركات هذا الشهر وبشاراته.

عدم الاسترخاء من طبيعة مجلس الضيافة

من شأن كلمة «الضيافة» أن تلفتنا إلى بعض أوجه الصعوبة في شهر رمضان. لأن الإنسان بطبيعة الحال لا يمكنه أن يسترخي ويكون على راحته في مجلس الضيافة ـ حتى وإن كان زاخرا بالعطايا ـ كما إذا كان في بيته، ولذلك وبسبب اقتضاءات مراعاة الأدب، يعاني من بعض القيود التي لا وجود لها في بيته. مهما كان مجلس الضيافة ممتعا ومريحا للإنسان مع ذلك لا يسعه أن يفعل كلّ شيء، وبقدر أهمية المجلس وشموخه، ينشغل الإنسان عن راحته بالانتفاع من هذا المجلس.

يتبع إن شاء الله...


الرد مع إقتباس
قديم 14-06-2016, 10:14 AM
موحدون موحدون غير متصل
عضو نشط
 

رقم العضوية : 103239

تاريخ التّسجيل: Dec 2012

المشاركات: 578

آخر تواجد: 11-05-2017 10:43 AM

الجنس:

الإقامة:

لنذق طعم حلاوة ضيافة الله 2


الخوف من فقد فرصة شهر رمضان الذهبية

أليس شهر رمضان فرصة ذهبية؟ أولسنا بحاجة وشوق شديدين إلى هذه الفرصة؟ إذن لابدّ أن نخشى ذهاب هذه الفرصة وعدم انتفاعنا بها. كلما كانت هذه الضيافة أعزّ علينا يزداد خوفنا من ضياعها وتعترينا الهواجس والأسئلة أن: هل سأنتفع بشهر رمضان بأفضل انتفاع؟ أم سأكون في شهر رمضان المبارك من زمرة الذين لا يكون نصيبهم فيه سوى الجوع والعطش؟ وهل ستلبّى احتياجاتنا الكثيرة في هذا الشهر؟... وغيرها من الأسئلة الكثيرة التي تتبادر إلاّ إلى المشتاقين وأولي الهمم العالية. إلا اللهمّ إذا كنّا مُتخَمين بالنعم المعنوية وأصبحنا غير مضطرّين إلى المزيد منها وأصبح شهر رمضان لنا شهر نزهة وتبديل جوّ فعند ذلك سنكون بغنى من هذا القلق. فإن هذا الكلام من السخافة والتفاهة بمكان بحيث لا يستحقّ الاعتناء. إذ عندما نرى أولياء الله يلتمسون ويتضرّعون إلى الله من أجل كسب ذرة من عنايات الله سبحانه، والحال أن كسب رضا الله ليس بأمر عسير عليهم، فتكليف باقي الناس معلوم.
ولكن من باب ذكر شيء في هذا المقام، أقول إن حالنا لا يخلو من حالين؛ فإما لسنا من أهل العرفان والعبادة، فعند ذلك من الواضح أن سنكون مضطرّين ومحتاجين، وإن لم نشعر بذلك نحن. وإن كنّا من أهل ذلك، فمن المؤكد أن قد أصبحنا من المحبين إلى مناجاة الله واكتساب عنايته بحيث نصبح متعطّشين إلى نيل المزيد من ألطاف الله ورحمته.

فإذن اسمحوا أن نستعرض عبر عبارات واضحة هواجسنا وعواملها:

هواجس الدخول/ 1ـ نقصان ما ننجزه من عمل

أولا يودّ الصالحون من الناس أن ينجزوا جميع أفعالهم بشكل جيّد. فإذا أنجزوا فعلا ما لا يحبون أن يكون ناقصا ومليئا بالعيوب. ورمضان كل سنة عبارة عن فعل وأثر نتركه في عالم الوجود، ونحن سوف نواجه هذا الإنجاز يوم القيامة. وحتى إن أنجزت أشهر رمضان القادمة بشكل جيّد لا تعوّض عن نواقص شهر رمضان الحاضر. فلكلٍّ علامة وسمة مستقلّة. الخوف من عدم إنجاز شهر رمضان بالمستوى المطلوب هو شيء متعارف لدى هؤلاء.

2ـ أن يكون مستوى أوج ارتفاعنا واطئا

ثم إذا كان شهر رمضان أوج صلاحنا وحسننا، وعادة ما لن نحصل على حالة أفضل مما كنا نعيشها في شهر رمضان، وبطبيعة الحال كل درجة سوف نحصل عليها في شهر رمضان، سنحصل على أقلّ منها في غيره من الشهور، فهذه الحقيقة مما تبعث خوفا في نفوس أولي الهمم العالية خشية من أن يكون مستوى أوج تحليقهم وأوج إنسانيّتهم واطئا مما يأباه بعد النظر وعلوّ الهمّة.

3ـ عدم مراعاة حرمة شهر رمضان

كلما ازداد شهر رمضان قدسية ورفعة لدى محبي الله، تصبح أهمية مراعاة حرمة هذا الشهر ومعرفة قدره مدعاة لخوفهم. طبعا لكل من هذه الهواجس طعم خاص. وإن بعض هذه الهواجس كهذا الخوف ليس بمرّ ولا مكروه بل حلو وممتع. وهذا الشعور يشبه بشعور العاشق الذي يخاف على هدية حبيبه، فهو يحافظ عليها بشدّة خشية إصابتها بصدمة.

4ـ الشقاء

المفترض في شهر رمضان هو أن تشملنا المغفرة الإلهية، وإنها من الأهمية بمكان بحيث قال رسول الله(ص): «فَإِنَّ الشَّقِيَ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ» [عيون أخبار الرضا/ج1/ص295] أليس هذا يكفي لخوفنا من عدم الغفران، وعدم العفو والتكفير عن سيئاتنا وأن نخرج من شهر رمضان بنفس مساوئنا؟ وليت شعري أين تطهّر هذه الأقذار إن لم تطهّرها عين رمضان؟

5ـ قبول العمل

إن كان المفترض هو أن يكون شهر رمضان شهر عبادتنا وأن تعرض طاعاتنا وعباداتنا على محضر إله العالمين سبحانه وتعالى، أليست عظمة مقام ربوبيّته وأبهته مدعاة لخوفنا من قلة قيمة أعمالنا؟ أ وليس من شأن علوّ مرتبة بارئ الخلق سبحانه وتعالى أن ترتجف قلوب عباده خوفا من عدم قبول عملهم؟!
لماذا لم يهتمّ البعض لقبول أعمالهم؟
ترى بعض الناس إذا قاموا بعبادة ما مثل الصلاة، لا يهتمّون بعد بأنه هل رضي الله بهذه الصلاة أم لا؟ وهل رضي بصوم شهر رمضان هذا أم لا؟ مع أنهم يحملون مثل هذا الهمّ والقلق لكثير من قضايا حياتهم الأخرى. كأنهم يطلبون الله، وقد سمعوا منه كلاما شديدا اضطرهم إلى القيام بهذه العبادة، وكأنهم يرون أن هذه العبادة على علّاتها كافية وزائدة على من أمرهم بها!
هم لا يعلمون أن الله ينظر إلى مشاعر عباده، فإذا كان أحد غير مهتمّ لقبول عمله، فهو في الواقع يقوم بأعماله كرها. ولا قيمة لهذا العمل عند الله بعد.
ما قيمة عبادات العبد عند الله، إذا رأى عبده يرمي عباداته صوب ربه بغير مبالاة وهو غير مهتمّ لوصولها إلى الهدف وقبولها من قبل المعبود، والحال أن المهمّ لدى الله قبل العمل وبعد العمل وفي أثناء العمل هو العبد نفسه وإقباله إلى الله وقلبه العاشق لربّه. ومن هنا ترى کم من صائم ليس له من صيام شهر رمضان إلا الجوع والظمأ.
مثل الأجير الذي فرضوا عليه حرث الأرض. فبعد أن حرث الأرض كرها لا ينظر إلى عين صاحب العمل باحثا عن رضاه، بل ينظر إلى يده ليستلم أجره. وإن كان لا يتوقّع الأجر وكان يعتبر صاحب العمل ظالما لا يؤجره بشيء، فسوف يرمي المسحاة أمام رجله ويذهب.
هل تعملون متى نكون غير مبالين بنتيجة أعمالنا ولا يعترينا القلق من أن هل سينال عملنا رضى الله أم لا؟ أضرب مثالا قاسيا مع طلب المعذرة، لأنه بمنزلة الضربة القاضية لمن يريد أن يكون مقاوما لهذا الكلام ولا يتأثر.
إن دخل على بيتنا فقير مسكين، وأردنا أن نعطيه طعاما، فبما أن شخصية هذا الفقير غير مهمّة لدينا، وكنا بصدد تقديم بعض فضائل الطعام له، عند ذلك لا نهتمّ بثمن الإناء الذي نصبّ الطعام فيه، وبأنه هل سيعجبه الإناء أم لا. ولا سيّما إن كنّا قد أعطيناه الطعام مع الإناء ولم نتوقّع منه إرجاعه. فنحن في هذا المقام غير مهتمّين باستحسان الفقير عملَنا وأسلوبَ ضيافتنا، بل نريد أن نعطيه شيئا ليذهب ويبتعد.
لا شك في أن الخروج من هذه الهواجس وغيرها التي لم نحصها، لا يمكن إلا بمدد ربّ العالمين. كما أن الدخول في وادي الخوف إنما يتحقق عبر حبّ المعبود ومعرفته.
يا له من إنسان رفيع الهمّة والنظر، وهو ذاك العبد الذي يقلق لنتيجة عمله وآخر فعله منذ البداية، ويردد هذا الدعاء القرآني بمشاعر مزيجة من الخوف المصحوب بالعشق والمعرفة منذ دخوله في شهر رمضان: «وَقُل رَبِّ اَدخِلنِي مُدخَلَ صِدقٍ وَ اَخرِجنِي مُخرَجَ صِدقٍ وَ اجعَل لِي مِن لَدُنكَ سُلطَاناً نَصِيراً» [الإسراء/80]




الرد مع إقتباس
قديم 18-06-2016, 09:02 AM
موحدون موحدون غير متصل
عضو نشط
 

رقم العضوية : 103239

تاريخ التّسجيل: Dec 2012

المشاركات: 578

آخر تواجد: 11-05-2017 10:43 AM

الجنس:

الإقامة:

لنذق طعم حلاوة ضيافة الله 3


لنذق حلاوة ضيافة الله ـ 2

سماحة الشيخ بناهيان: هواجس وحلاوات الدخول في شهر رمضان

كتاب «مدينة الله؛ شهر رمضان وأسرار الصيام» ـ باللغة الفارسية ـ لسماحة الشيخ بناهيان والذي قد نزلت إلى الأسواق الطبعة الثامنة منه، يشتمل على نقاط ورؤى جديدة وعمليّة للانتفاع الأكثر من شهر رمضان وقد كتب بلغة سهلة وبسيطة. فوددنا أن نستقبل أيام شهر رمضان ولياليه الجميلة بمقاطع ومقتطفات من هذا الكتاب. فإليكم القسم الثاني من هذه المقاطع
حلاوات الدخول في شهر رمضان
تحدثنا في القسم السابق عن هواجس الدخول في شهر رمضان. أما الآن فنضع كل الهواجس والخواطر والمخاوف والحديث الكثير والمتشعّب الذي يمكن ذكره في هذا المجال، على جانب، ونخوض في جانب آخر من مشاعر الدخول في ضيافة شهر رمضان. مضافا إلى مشاعر الشوق التي تنتاب الإنسان بطبيعة الحال عند حلول شهر رمضان المبارك والدخول في ضيافة الله الرحمن، لا يخلو حلول هذا الشهر من حلاوة بيّنة جدّا.
يبدو أن هذا الشهر الكريم يذيق الإنسان المعنوية وحلاوة العبادة تلقائيّا، وحريّ بالإنسان أن يقدّرها كثيرا. وفي سبيل تقدير هذه الفرصة، علينا أن نقوم بعمل بسيط جدّا؛ وهو أن نفرّغ وقتا ما لكي نتمتّع بأكثر لذّة منذ بداية شهر رمضان.
علينا أن نغطّ في هذا الحظّ المعنوي بقدر الإمكان، ونصنع أحلى الذكريات عبر انتهاز هذه الفرصة، وذلك من أجل أن ترجعنا هذه الذكريات إلى هذه الساعات المعنوية الأصيلة وتكون باباً للرجوع إلى الله بعد ذهاب هذه الفرصة. وأساسا أحد أسباب حلاوة الأيام الأولى من شهر رمضان هو تجديد ذكرياتنا المعنوية والممتعة عن السنين السابقة، كصوت دعاء السحر أو صوت دعاء خاص عند الإفطار، فقد اعتبرنا بعض هذه الأمور كعلامات لا تنفك عن شهر رمضان ولذلك تعلقنا بها وبالتأكيد إن الحظّ المعنوي الذي تعطينا هذه التعلقات ليس بقليل.

1ـ كون شهر رمضان جديدا/ ضرورة انتهاز هذه الطاقة المبدأية في سبيل الوصول إلى مقام الأنس

أحد الأسباب البسيطة لهذه الحلاوة هو كونه جديدا، فبحد ذاته يبعث في الإنسان نشاطا وحيويّة. وهو ليس كصلواتنا اليومية التي أصبحنا نملّها وصارت عاديّة بسبب تكرارها. صحيح أن الاكتفاء بهذا السبب لا يكفي، فليس من الصحيح أن نحبّ شهر رمضان ونغتبط بإدراكه بمجرّد طراوته واشتياقنا إليه وما جاء به من أجواء جديدة، ولكنّه ليس بشيء سيّئ. فلابدّ أن نقدّر الحدّ الأدنى من الإيجابيات التي فينا لكي لا نُحرم من الدرجات الأقصى.
إن «دوام الأنس مع الله» على الكثير من أمثالنا الذين لا نمتلك المعرفة الكافية ولم نقلع عن تعلقات الدنيا أمر عسير. ولكن ساعات تجديد العهد والصلح بعد الفراق هي لحظات حلوة وممتعة كما هو الحال في لحظات التعارف الممتعة.
فلابدّ من انتهاز فترة طراوة شهر رمضان الأولى كرأس مال، لا للمستقبل البعيد، بل للأيّام الوسطى من شهر رمضان حيث تخفت هذه الطراوة. ينبغي أن ينتفع الإنسان بشهر رمضان أفضل انتفاع وذلك عبر إعداد برنامج عبادي خاص في أوقات هذا الشهر واستغلال الطاقة الأوّلية في الأيام الأولى منه.
فبهذا الأسلوب كما يعيش الإنسان ساعات جديدة وممتعة في الأيام الأولى من شهر رمضان، ينتقل بعد ذلك إلى مرحلة الأنس بهذا الشهر فهي تنطوي على حلاوة من نمط آخر. وبالتأكيد إن الحلاوة التي يذوقها الإنسان على أثر الأنس بشهر رمضان أعمق وأحلى بكثير من حلاوة الأيام الأولى. ولكن في سبيل دوام هذه الحلاوة المبدأية وإيصالها إلى مرحلة الأنس، لابدّ في وسط الطريق من تحمل بعض المعاناة ومقاومة حالة الإدبار.

2ـ الشعور بالحاجة إلى التقرّب

السبب الآخر في حلاوة الدخول في شهر رمضان هو الشعور بالحاجة إلى التقرّب، والتي لا تدرك إلا بعد أن اقترب الإنسان شيئا قليلا. ففي ذلك الحين يدرك الإنسان كم أن فراق الله مرّ. فها هي حرارة محبة الله ورحمته التي يتحسّسها الإنسان بكل سهولة في طليعة الشهر لما يعاني منه من أوج برد الغفلة عنه. فعند ذلك يعي الإنسان مدى برد وجفاف الأجواء الخارجة عن دفئ رحمة الله ومحبته.
فكأننا في خارج شهر رمضان نعتاد على ظروف الحياة بدون الله وعلى الغفلة عنه، أو على الأقل لا نشعر بمدى ضرورة التقرّب الشديد إلى الله. ولكن ما إن ندخل في هذا الشهر الكريم، نشعر كم أننا كنا بحاجة ماسّة إلى هذه المحبّة.

يتبع إن شاء الله...






الرد مع إقتباس
قديم 19-06-2016, 09:59 AM
موحدون موحدون غير متصل
عضو نشط
 

رقم العضوية : 103239

تاريخ التّسجيل: Dec 2012

المشاركات: 578

آخر تواجد: 11-05-2017 10:43 AM

الجنس:

الإقامة:

لنذق طعم حلاوة ضيافة الله 4


كالطفل المشغول باللعب، حينما يرى أمه فجأة

نحن كالطفل الحَرِك الذي وإن كان قد انشغل باللعب والمرح بعيدا عن حضن أمه، وما إن وقعت عينه على أمه، يتذكر عطشه إلى حنانها، فيسرع باكيا إلى حضنها، ولكن بعد أن اطمأن قليلا في دفئ حنان أمّه، سرعان ما يلتفت إلى حوله باحثا عن شيء جديد يلعب به، فيغادر حضن أمه الحنون إلى الملاعيب التي لا قيمة لها، وقد نسي أنه كان قد فرّ منها باكيا إلى أمه قبل لحظات.
مع هذا الفارق وهو أن الطفل يحتاج في مراحل نمائه إلى اللعب. والغفلة عن الأم نعمة لها لتستريح قليلا وتقوم ببعض شؤونها، ولكننا نستطيع أن نفهم هذه الحقيقة حتى لو كنّا في أوج البلاهة وهي أننا بحاجة إلى محبّة الله في كل لحظة، فلا ينبغي أن يكون كل حظنا من ذوق محبة الله محدودا بمجلس ضيافة رمضان، فليست أي غفلة عن حنان الله بنافعة لنا. وأي لعب يفصلنا عنه فهو لعب خطر ومدمّر ولابدّ من أخذ مضارّه على مأخذ الجدّ.
ترى بعض الناس ـ وللأسف ـ لا يستأنسون بلقاء أقربائهم وأصدقائهم القدامى إلا بعد فراق طويل. وعلى العكس، أصحاب القلوب السليمة يحنّون إلى أصدقائهم بسرعة. وكذلك ترى بعض الناس لا يرغبون في التصالح إلّا بعد مضيّ فترة مديدة من الزعل. بينما قلوب أولياء الله الرقيقة لا تطيق البعد والهجران ويحنّون إلى الحديث مع الله خمس مرّات على الأقل يوميّا، فكأنهم لا يقدرون على أي خطوة ما لم يتحدّثوا مع اللّه مليّا.

ألا يسأم أولياء الله من صحبتهم مع الله؟

طيّب، فلأسألكم سؤالا؛ ما هو شعور هؤلاء بحلول شهر رمضان والدخول في شهر الله؟ هل لأنهم مع الله دائما، فتصبح ضيافة شهر رمضان تكرارية لهم؟ وهل أن طراوة شهر رمضان هي خاصّة بالغرباء أو النائين عن جوار الله؟ أ وهل أنكم تزعمون مثل بعض العوام أنه إذا كنا مع الله دائما، فسوف نضجر منه؟ وهل أنكم تتساءلون كالغافلين أن ما هي نزهة أولياء الله الذين قضوا حياتهم كلها معه وأين التنويع في حياتهم؟!
إنه لخطأ شائع وتصوّر باطل وقد تورّط به الكثير من الناس، فهم يزعمون أن أولياء الله إنما تحمّلوا الثبات مع الله، لأنهم نفضوا أيديهم من التنزّه وأنواع اللذات والمسرّات التي يحتاجها الإنسان بطبيعته، أو لأنهم فارقوا الدنيا وطلّقوها. والأجر الذي سينالونه يوم القيامة إنما بسبب العذاب الذي تجرعّوه في بقائهم مع الله. فإن أمثال هؤلاء العديمي الخبرة في الدين يزعمون أن معرفة الله لا تزيد عن إدراكهم البدوي عن الله والمؤمنون إنما يعكفون في المساجد ويكرّرون نفس هذه المفاهيم البدائية بلا أن يحظوا بأي إدراك وشعور جديد عن الله.
لقد قال الإمام الصادق(ع) في حديث عميق وعرفاني: «لَوْ يعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي فَضْلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَا مَدُّوا أَعْينَهُمْ إِلَي مَا مَتَّعَ اللَّهُ بِهِ الْأَعْدَاءَ مِنْ زَهْرَةِ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ نَعِيمِهَا. وَ کَانَتْ دُنْياهُمْ أَقَلَّ عِنْدَهُمْ مِمَّا يطَئُونَهُ بِأَرْجُلِهِمْ وَ لَنُعِّمُوا بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ وَ تَلَذَّذُوا بِهَا تَلَذُّذَ مَنْ لَمْ يزَلْ فِي رَوْضَاتِ الْجِنَانِ مَعَ أَوْلِياءِ اللَّهِ. إِنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ آنِسٌ مِنْ کُلِّ وَحْشَةٍ وَ صَاحِبٌ مِنْ کُلِّ وَحْدَةٍ وَ نُورٌ مِنْ کُلِّ ظُلْمَةٍ وَ قُوَّةٌ مِنْ کُلِّ ضَعْفٍ وَ شِفَاءٌ مِنْ کُلِّ سُقْمٍ» [الكافي/ج8/ص247/ کتاب الروضة، ح347]

3ـ عيد أولياء الله؛ فرصة لتلبية احتياجاتهم

حقيقة الأمر هي أن من بين جميع الناس إنّما الأولياء المتصلون بالله هم الذين يعيشون ضيافة عامرة في قلوبهم طوال أيام السنة في غير رمضان، وهم ضيوف الرحمان في الخلوة، ولا يذوق طعم الحضور في مجلس الضيافة أحد سواهم.
وأساسا قد أقيم مجلس الضيافة لهؤلاء، وأمّا باقي الناس فهم على هامش المجلس. إن السبب الرئيس هو أن تلبّي احتياجات هؤلاء الأولياء، ثم يتنعّم أهل العالم جميعا من فضائل هذه المائدة الزاخرة بالفيض.
إنّ تضاعف أجر أعمال شهر رمضان في الواقع من أجل ملء الوعاء المعنوي الواسع جدّا الذي يحظى به هؤلاء النيّرون العظام. فكأن رقّة قلبهم دفعت دعوات الجميع إلى مواطن الاستجابة في شهر رمضان. ولأنّ أجنحتهم أوسع من نطاق هذه الدنيا الضيّقة، ولا يتسنّى لهم الطيران والتحليق في الظروف العادية، فتحت لهم أبواب السماوات في هذا الشهر.
ولذلك سمّي شهر رمضان عيد أولياء الله كما جاء في دعاء الإمام زين العابدين(ع): «اَلسَّلامُ عَلَيكَ يا شَهرَالله الأکبَرِ وَ يا عِيدَ اَولِيائِه» [الصحيفة السجادية/ الدعاء 45]
هذا هو الدليل الثالث لبهجة شهر رمضان والذي هو مختصّ بأولياء الله، وقلّ من يعيش هذه التجربة. ولكن حسبنا أن يحلو لنا الاستماع عن بهجتهم، ممّا يشدّد أمنية النيل إلى هذا المقام وتجربة تلك الساعات في قلوبنا. فإنه علامة جيّدة.

دخول ضيوف الرحمن الخواصّ في مدينة الله

إن ضيوف الرحمن الخواصّ يبدأون هذا الشهر منذ اليوم الأول بحرارة مضاعفة ويدخلون مدينة الله بشوق وحماس أعلى. فهم يعرفون المدينة تماما، ويعلمون إلى أي أزقة يتجهون وفي أي بيوت يسكنون. فلا ينظرون إلى هنا وهناك مستطلعين، ولم يكن شوقهم وحماسهم ناجما من كون المناظر جديدةً تجلب الأنظار. يفتحون أجنحتهم وكأنهم يريدون أن يحتضنوا المدينة برمّتها ويقبّلوا طلعتها البيضاء كوجه القمر. وفي نفس الوقت إذا رأيتهم، سترى غبرة حزنهم من غروب آخر يوم من شهر رمضان، بيّنة في دموع شوقهم:
«السَّلَامُ عَلَيكَ مِنْ مَطْلُوبٍ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَ مَحْزُونٍ عَلَيهِ قَبْلَ فَوْتِهِ» [المصدر نفسه]. فإنهم لا يغفلون عن مغادرة شهر رمضان اغترارا بالأيام الباقية من، فهم من اليوم الأول كمن يعيش آخر لحظات هذا الشهر وقد عقد أمله باللّه وحده في أن لا يخرج من هذا الشهر خائباً. فأملهم منذ اليوم الأول في ربّ اليوم الأخير ولم يباهوا بطاقتهم وقابليّتهم في العبادة.







الرد مع إقتباس
قديم 20-06-2016, 02:55 PM
موحدون موحدون غير متصل
عضو نشط
 

رقم العضوية : 103239

تاريخ التّسجيل: Dec 2012

المشاركات: 578

آخر تواجد: 11-05-2017 10:43 AM

الجنس:

الإقامة:

لنذق طعم حلاوة ضيافة الله 5


لنذق طعم حلاوة ضيافة الله ـ 3

سماحة الشيخ بناهيان: المدينة التي تتيح لنا إمكان رؤية حقيقة الدنيا، وذوق حلاوة الآخرة

كتاب «مدينة الله؛ شهر رمضان وأسرار الصيام» ـ باللغة الفارسية ـ لسماحة الشيخ بناهيان والذي قد نزلت إلى الأسواق الطبعة الثامنة منه، يشتمل على نقاط ورؤى جديدة وعمليّة للانتفاع الأكثر من شهر رمضان وقد كتب بلغة سهلة وبسيطة. فوددنا أن نستقبل أيام شهر رمضان ولياليه الجميلة بمقاطع ومقتطفات من هذا الكتاب. فإليكم القسم الثالث من هذه المقاطع

إن لله في هذا العالم مدينة

قال رسول الله(ص): «أَيهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيکُمْ شَهْرُ اللَّهِ بِالْبَرَکَةِ وَ الرَّحْمَةِ وَ الْمَغْفِرَةِ ...» [عيون أخبار الرضا(ع)، ج1، ص295، الباب 28، الحديث53]
المدن كلّها تقع في ظرف المكان، ولكن لله مدينةً في هذا العالم قد أنشأها في ظرف الزمان. إن مدينة الله التي تكون موطن ضيوف الله ومستقرّهم في كل عام، في وقت معلوم وبحَجْم غير معلوم، هي بيت الله الملكوتي ومضيفه الملكي الذي قد بني بشموخ رائع بلا نظير كالقلعة ذات الأبراج العالية على تلّ إحدى بساتين الجنّة. إنها المدينة التي يطوف فيها ملائكة الله حول ساكني البيت ويحرمون لضيافة ضيوف الرحمن.
إن هذه المدينة العتيقة التي يعود تاريخ إنشائها إلى بدء الخلق وتبدو في مختلف أرجائها مواطئ أقدام أولياء الله، كانت في ما مضى مضيف أنبياء الله وحسب، بيد أنها توسّعت حتى أصبحت تستوعب أمّة النبي الخاتم بأجمعهم. ثم تنتهي أفرع هذه المدينة العتيقة وأزقتها كلّها إلى الله سبحانه.
بالرغم من أن المدينة واسعة جدّا، غير أن طرقها قصيرة وتُقطع المسافات فيها بسرعة. إن الأفرع الممتدّة بين بساتين المدينة وإن كانت قديمة، ولكنها غير مهدّمة. لقد استعدت الأزقة لضيافة ضيوف الله، فهي مكنوسة ونظيفة وقد علت أطرافها أشجار باسقات خضراء قد خيّمت على المشاة بحنان ظلالها غير المظلم. في منعطف كل زقاق ترى بيتا من بيوت أولياء الله وقد علا منها صوت شجيّ يتلو القرآن ليلفتك إلى آية من آيات الرحمن.
آلاف من ملائكة الله الحسان مشغولون بالضيافة من دون أن يحدثوا ضجيجا أو يشغلوا حيّزا من المكان. فشفاههم تسبح بحمد ربّهم وأنظارهم تثني على ضيوف ربّهم.
كأن ضيوف هذه المدينة مقيمون فيها وأصبحوا من أهل البيت، ولذلك لا يستغربون ولا يستوحشون، فتراهم يعرفون مختلف أرجاء هذه المدينة حقّ المعرفة. لكلّ أحد منهم شأن ومقام، ولكلّ قصر وإيوان. لقد عُيّن محل إقامة الجميع من قبل، ولكلٍّ درجة ومنزلة معلومة. فكلّ بحسبه ومقامه كيوم القيامة، ولكن بشكل غير محسوس.
إن بعض الضيوف قريبون جدّا من الله وليس بينهم وبين الله فاصل كما هو المعتاد فيهم. بينما بعض الضيوف جيران الله عن بعد مسافة أفرع. وفي أي الأحوال يشعر الضيوف في جميع بيوت المدينة بوجود الله أكثر من جميع أوقات الدنيا. فهم يمدّون أيديهم إلى الله بالدعاء، ولكنّهم يجدونه أقرب من كل وقت فكأنه قد ضمّهم إليهم وعانقهم، فيظلّون في وله ودهشة من لقائه.
لقد زاد الجوع والعطش في جمال نظرات أولياء الله الملتمسة. النظر إلى مدى عشق الضيوف الذين لم يمدّوا أيديهم إلى طعام المائدة، وإلى ضعف رمق أجسامهم ممتع وجميل. يبدو أن جميع أهل المدينة عشّاق بحيث لم يطعموا الماء مع أنه في متناولهم، وكأنهم مفتونون بحيث يملكون الطعام ولا يلتفتون إليه. كلٌّ مطلع عن أحوال الآخر، ولكن وبالرغم من تحاببهم الشديد، يصبر بعضهم على جوع بعض في النهار ويتسابقون في إطعام بعضهم البعض في الليل.
إنما في هذه المدينة فقط يمكن مشاهدة حقيقة الدنيا وذوق حلاوة الآخرة. فقبل أن يدخل الإنسان في هذه المدينة لم يكن يصدّق كم أن الحياة المنزّهة عن أردان الدنيا تلصق بالفؤاد. وهناك يتسنّى إدراك أنك كلّما حظيت بملذّات الدنيا، يقلّ حظك من لذة الحياة. إن الإمساك عن الطعام والشراب يقويك ويحقّر الدنيا في عينك. وفي هذه المدينة يمكنك أن ترى كيف أن الدنيا أسيرة بيد الإنسان وليس لها أن تهيمن عليك.


الرد مع إقتباس
قديم 21-06-2016, 02:13 PM
موحدون موحدون غير متصل
عضو نشط
 

رقم العضوية : 103239

تاريخ التّسجيل: Dec 2012

المشاركات: 578

آخر تواجد: 11-05-2017 10:43 AM

الجنس:

الإقامة:

لنذق طعم حلاوة ضيافة الله 6


إمساك الضيف حبّا لأمر صاحب البيت

قد لا يصدّق أحد وهو أن الله نفسه قد أمر ضيوفه الذين يعيشون بحبّه وقد أتوا هذا المجلس بأمنية وصاله، بتحمّل الجوع والعطش. والجدير بالذكر هو أنه لا اعتراض لأحد بل قد امتثلوا أمر صاحب البيت عن رضا. فكأنهم يريدون أن يساهموا في مباهاة الحبيب، ويكونوا دليلا على أهليته للعبادة. بودّهم أن يكونوا آية لحكومته على العالم، وأن ينهضوا بأمره في هذه الدنيا قبل يوم القيامة.
إن حقيقة الأمر هي أن المهم في هذه المدينة هو علاقة الضيوف مع صاحب البيت. وإنه من الأهمية بمكان بحيث إذا كان الجوع يساعد في تعزيز هذه العلاقة، يخضع له الجميع بكل رحابة صدر.

استعراض ملكية الله في قيامة مبكرة

كأن القيامة قد قامت في هذه المدينة. فمع أن قوله «الْمُلْكُ يوْمَئِذٍ لِلَّه» [الحج/56] هو حول يوم القيامة، غير أنه بإمكانكم أن تشاهدوا مصغّرا من يوم القيامة قبل تحقّقه. إذ أن الملك في هذه المدينة أيضا للّه وبموجب قوله: «لا يتَکَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَ قَالَ صَوَاباً» [النبأ/38] لا ينطق أحد إلا بإذن الله ولا يجري على لسانه غير صواب. ولعلّ صاحب البيت قد سلب رمق الضيوف بالصوم ولم يبق لهم طاقة لفضول الكلام.
إن إيمان أهالي هذه المدينة بيوم القيامة من الشدّة بمكان، بحيث لا يقعدون ساعة ويقضون أيام صيامهم ولياليه قائمين، والحال أنه لا أحد قد فرض عليهم ذلك. كلٌّ يحاسب نفسه ويدين نفسه قبل أن يحاكمه أحد، ويطلب العفو والمغفرة بجانب مشنقته التي تصوّرها بخياله. فكأنهم واقفون في يوم القيامة وقد انتهوا إلى نهاية الطريق. يجهشون بالبكاء وتجري الدموع على وجوههم.
عندما يقفون للصلاة، يناجون ربّهم بأروع مناجاتهم ويبرزون أقصى مشاعرهم بين يدي ربّهم، ثم يودّعون سجادتهم ويناجون اللّه مودّعين. ثم كلّما يوفّقون للمناجاة، كأنهم يقفون بين يدي الله لأوّل مرّة، ولا يستذكرون أنهم قد استغفروا ربّهم مرارا وتكرارا. كلّما تسمع صوت بكائهم، تشعر كأن الله قال لهم: كلا! فلا أغفر لكم بعد. ثم يعلو منهم أنين ونحيب جارح ليجلبوا رضا الله. والحال هو أنك إذا رأيت بتمعّن تجد أن حالاتهم تعبّر عن لحظات تحنّن الله عليهم وضمّهم إلى دفئ قربه ورحمته.
إحدى خصائص مناجاتهم في هذه الضيافة هي أنك لا تستطيع أن تشخّص هل أنهم يناجون الله حبّا له ويبكون شوقا إليه، أم يئنّون ويبكون خوفا وخشية منه. فبالرغم من أنهم يهابونه ولكنّهم لا يفرّون منه. وبالرغم من كونهم سارين نحوه وقد نالوا لقائه، غير أنه لا نهاية لهذا اللقاء ولا يملّ العبد منه.

أوصاف الضيوف

إن رأيت ضيوف هذه المدينة، لا يتكاسلون، فإنهم لم يقوموا بعمل جبّار، بل نشطوا لكونهم مُخِفّين، وإن رأيتهم لا يتوقّفوا عن العمل فلكونهم لا يتعبون أبدا. وإذا رأيتهم دقيقين في أعمالهم فلكونهم غير مشغولين بعمل آخر. وإن كانوا قد رأوا جمال يوم الغد، فلكونهم قد غضّوا أنظارهم عن اليوم.
إنهم إن طاروا وحلّقوا فلأن الأرض لا تسعهم، وإن كانوا بصدد العروج فلأنهم يحبّون الطيران. إن كانوا ترابيّين، فلأن لهم مقاما في الأفلاك فلم يهتمّوا إن جلسوا على التراب أياما قليلة. إن كانت أعينهم تمطر دموعا، فلأن مناخ قلوبهم ربيعي، وقد نشأت السحب من محيط حزنهم الرائع والمتلاطم. فلم ينجزوا بعمل جبّار إن كانوا أخيارا صالحين، ولكنّهم رائعون ويستحقون المدح والثناء.
يطيعون الله ويعبدونه وكأنهم قد ضيّعوا كلّ عمرهم بالبطالة، فعادوا ليتداركوا ما فرّطوا به من قبل. ويخافون من الذنب بشدّة وكأنهم قد سلبوا الفرص كلّها، أي ما إن ارتكبوا ذنبا واحدا، ساءت عاقبتهم وحرموا السعادة. لا يسجّلون في دفتر مذكراتهم إلا ذنوبهم ولا يضيّعون وقتهم في تسجيل حسناتهم وأعمالهم الصالحة.

أهل التشدد مع أنفسهم، والتساهل والرفق مع الآخرين

لقد ملأت أرجاء هذه المدينة شميم الرأفة وعطر الجنّة. فمهما كان ضيوف هذه المدينة متشدّدين مع أنفسهم، كانوا متساهلين ورافقين مع غيرهم. فقد يشعر الإنسان بأنهم قد خلطوا بين أنفسهم والملائكة الموكّلين لخدمتهم. يشعرون بأنهم مدينون للجميع وليس لهم أي طلب من الله. لا تفارق البسمة شفاههم ويتعاملون برأفة ورحمة مع الجميع وبشكل سواء، حتى قد يشعر الإنسان من حميمية معاشرتهم بأنه من أصدقائهم القدامى. فمع أنهم متشدّدون على أنفسهم ولكن يشعر الإنسان بالراحة عندهم.
كلما ازدادوا جوعا، يزدادون اندفاعا لإشباع الآخرين، وإن شبعوا، يؤنّبهم ضميرهم ويعتريهم الخجل. بالرغم من كونهم ضيوفا في هذه المدينة ولكنهم يسعدون بنزول الضيف عندهم، إنهم يتمتّعون بالإطعام أكثر من الطعام.

الحي المركزي في المدينة

أنصحكم أن لا تسافروا إلى هذه المدينة، إذ لو اقتربتم إلى حصن النور الواقع في مركز المدينة، تعمى أعينكم عن مشاهدة الغير، وسوف لا تنظروا إلّا إلى ذاك الحبيب المستور، وسوف يراكم الجميع دوما وأعينكم مغرورقة بالدموع.
إنها المنطقة الشامخة من المدينة. اسم زقاقها الرئيس زقاق بني هاشم. ولابدّ أن قد طرق اسمه أسماعكم. لا تخشوا! فإن في هذه المدينة السماوية لن تعتري هذا الزقاق أيدي الفجرة أبدا. يلوح لك بيت الأحرار من بين النخيل الباسقات، وتفوح منه رائحة يد أمّ حنون تدير الملائكة رحاها لتعينها على الخَبز. إن موطئ أقدام أهل هذا الزقاق موطن تقبيل أولياء الله.
إن كنتم لا تخافون على أرواحكم، فلأزدكم عن هذا البيت المركزي. يلوح بيت أمير المؤمنين(ع) في مركز المدينة وفي تلك المنطقة المشرقة، عن بعد مسافة طويلة. لقد أحاط بيته ببيت رسول الله(ص) وكأنه مدينة في داخل هذه المدينة.
فكلّ من أراد بيت رسول الله(ص)، لابدّ أن يمرّ من بيت أمير المؤمنين(ع)، وكلّ من يطرق باب علي(ع)، عادة ما يسمع صوت فاطمة الزهراء(س) من داخل البيت. إنها تعرف المراجعين جميعا، وتنادي كلّا باسمه بصوتها الحنين. لو خطوت صوب ذاك البيت الرفيع الذي هو مصدر كل اعتبار الأنبياء والأولياء، فيخشى على روحك إن رأت ربّة بيت عليّ(ع) أن يضيق بها بدنك وتفارقك.

إحرام قبل اللقاء، وحلم بعد الفراق

من أجل كلّ الهدايا والعطايا التي حظيت بها في مدينة الله هذه، حريّ بك أن تقبّل وجه هذا الشهر الكريم، وتشمّ زهرة وجوده. لابدّ من إضاءة ليل وجودنا المظلم بنوره، ووجْد طرق السماء عبر نور بدره المشرق. ينبغي أن يدخل الإنسان بطهارة في مدينة الله ويسجد على تربتها بكلّ وجوده. يجب تعظيم مدينة الله كما نعظّم بيته، وأن يحرم الإنسان عند الدخول فيها. إنها لمدينة مترعة بالعطف والحنان وهي مصدر المعرفة ومأوى الأبرار والمقرّبين في العالم.
إن الحضور في مدينة الله لفرصة عظيمة، فإذا نسمت عليك نسمة واحتوتك بين جنبيها، يخيّل إليك أنها لن تنفك عنك بعد، ولكن سرعان ما ترتحل وتعبر وتتركك في حلم جميل، فتذهب مسرعة ولا يبقى منها سوى خيال من بردها ولطافتها ثمّ تضمحلّ في خضمّ رتابة الحياة. إن ليل وصاله قصير ويوم فراقه طويل...


الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع

يمكن للزوار التعليق أيضاً وتظهر مشاركاتهم بعد مراجعتها



عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:
 
بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا بإمكانك إضافة موضوع جديد
بإمكانك إضافة مشاركات جديدة
لا بإمكانك إضافة مرفقات
لا بإمكانك تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع :


جميع الأوقات بتوقيت بيروت. الساعة الآن » [ 05:20 AM ] .
 

تصميم وإستضافة الأنوار الخمسة © Anwar5.Net

E-mail : yahosein@yahosein.com - إتصل بنا - سجل الزوار

Powered by vBulletin