عرض مشاركة مفردة
قديم 10-07-2018, 07:31 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

المباني الفقهية للحرية الإسلامية



الشيخ ابراهيم بدوي

تمهيد

لا ريب أن الحرية أمر فطري مستودع في طبيعة البشر، فهم يشعرون في قرارة أنفسهم بأنهم أحرار، في أفعالهم وأقوالهم ومواقفهم، ولذا تراهم يتغنون بذلك في أشعارهم وخطبهم، ويفتخرون به في حروبهم وبطولاتهم.

وقد جاء الإسلام، وهو الدين الحنيف الذي يراعي الفطرة الإنسانية في كل تشريعاته، فلا يخالفها في شيء، وإنما يعمل على تنظيمها، وتوجيهها، جاء ليؤكد هذه الحرية وصوابية وأهمية شعور المرء بأنه حر، له أن يفعل، وله أن لا يفعل، بل بنى على ذلك واحداً من أركان الدين، وهو مبدأ الثواب والعقاب الذي لا معنى له بدون حرية الإرادة، بل ذهب الإسلام أبعد من ذلك حين اعتبر أن الشعور بالحرية تهذيب سلوكي مؤثر في كيفية التعامل مع النفس، ومع الآخر، فمثَّل بذلك ثورة قيمية لم تعرفها الحضارة البشرية من قبل، واستطاع أن يبلغ الآفاق مع تعدد الملل والنحل الداخلة فيه.



27



ثم إن الإسلام بنى الحرية الإنسانية انطلاقاً من عبودية الإنسان لله تعالى، وهذا ما يجعله متحرراً من عبودية كل ما سواه، وفي مختلف مجالات حياته، بخلاف الفكر الوضعي الذي بناها انطلاقاً من تحرر الإنسان من عبوديته لله تعالى، ما جعله عبداً لكل ما سواه كالمادة والهوى.

ويمكننا أن نطمئن إلى أن هذا المعنى العام الواسع للحرية هو المعنى التي يتفق فيه الفهم الإنساني، وتتقاطع عليه كل الأمم والشعوب في طول العالم وعرضه .

من هنا قد يكون الحديث عن الحاجة إلى مبانٍ فقهية للحرية، بما لها من المعنى العام، من باب لزوم ما لا يلزم .

نعم للحديث لزوم عندما نتناول أفراد الحرية، فنثبتها في مورد، وننفيها في آخر كما في حرية الفكر وحرية الكفر .

تأسيس الأصل العملي

المبنى الأول الذي يرتكز عليه الموقف الفقهي في كل قضية يبحثها علم الفقه هو الأصل العملي، أي الدليل الفقاهتي الذي يرجع إليه في حال فقدان الدليل الاجتهادي .

والأصل كما بين في علم الأصول عقلي وشرعي :

أما الأصل العملي العقلي فيدور بين البراءة من التكليف، ودليله قاعدة قبح العقاب بلا بيان، والاحتياط، ودليله حق المولى على عباده



28



بلزوم الطاعة. وعليه فهما يتحدثان عن خصوص الحرية في مقابل التكليف الشرعي، أي البراءة من الإلزام الشرعي الذي من شأنه أن يقيد حرية الإنسان بضرورة العمل على وفق حكم الله تعالى. ولكنهما مع ذلك يشتركان في أن الأصل في الإنسان الحرية في مقابل غير الله تعالى، وهذا يكفي في هذا المضار لما هو معلوم من أن القيود الشرعية، وإن كانت تقيد الفرد في موارد ثبوت التكليف، ولكنها ناشئة من مصالح ومفاسد ملزمة، تراعي بها حريات البشر ككل بما لا يجعلها متعارضة بعضها مع بعض.

أما الأصل الشرعي فجريانه في مورد الشك في الحرية مربوط بتحديد معنى الحرية، وتحليل مفهومها، إذ سيختلف الحال باختلاف حقيقتها.

وقد استعملت الحرية في مختلف ألسنة البشر في مصاديق مختلفة من قبيل: الحرية في مقابل العبودية، والحرية في الاعتقاد، والحرية السياسية، وحرية الفكر، وحرية الإرادة.

فحرية العبد تَخلُّصه من قيده المعنوي الاعتباري الذي يجعله تابعاً لسيده.

وحرية السجين تَخلُّصه من قيده الحديدي الذي يثقل حركته، ويمنعه من الذهاب حيث يشاء.

والحرية الأخلاقية هي كسر قيود الهوى ونوازع النفس والتغلب على الشهوات والأهواء... وهكذا




29



ويبدو أن الفرق بين أنواع الحرية مرتبط بالفرق بين أنواع القيود، ففي القيد المادي تكون الحرية في مقابل إطلاق السراح، وفي القيد المعنوي في مقابل الرق، وفي القيود الاعتبارية، شرعية وعرفية، تكون الحرية في مقابل التكليف... وعلى هذا المنوال1.

وبناء عليه، فإن قيل: "الحرية هي عدم القيد"، أيِّ قيد، فهي أمر عدمي2، لا نحتاج حينئذ إلى البحث عن المباني الفقهية لتشريعها، بل يكفي في ثبوتها عدم ثبوت القيود أو الشك فيها في كل أمر يراد إعطاء الحكم فيه. فيكون حالها كحال أصالة الإباحة، وتكون النتيجة: الإنسان حر في كل أمر من أموره ما لم يثبت قيد من الشرع أو العقل يمنعه من ذلك.

ففي كل مورد يُشك فيه في الحرية يكون معنى الشك: هل الإسلام أوجد قيداً للبشر يمنعهم من فعل ما؟ فيقال: الأصل عدم القيد، ولو من باب استصحاب العدم الأزلي، أو العدم الوصفي، أي عدم جعل الحكم قبل البلوغ، وعدم القيد هو عين الحرية، حسب الفرض... وهكذا. وهذا هو ما يسمى بأصالة الحرية في الإسلام.



30



وإن قيل: "الحرية هي خلوص الإنسان من كل ما يعيقه من القيود المعنوية والمادية"3، فهي أمر وجودي ملازم لعدم القيد، فلا يجري استصحاب العدم هنا لأنه سيكون أصلاً مثبتاً، كما ثبت في أصول الفقه. فلا يمكننا أن نقول بأصالة الحرية كما في الفرض الأول.

ويبدو أن السيد الخوئي يرجح الاحتمال الأول، حيث يقول في مستند العروة في معرض معالجته للروايت المتعارضة المثبتة للحرية والنافية لها:

فالمرجع بعد تساقط الطائفتين المتعارضتين إنما هو أصالة الحرية..... فإن البشر مطلق العنان في تصرفاته يفعل ما يريد ويترك ما يشاء غير ما أمر به المولى عز وجل، ومن هنا فإذا شككنا في جعل التقييد كان لنا التمسك بالأصل لنفيه4.

وقد استخدم الفقهاء مصطلح أصالة الحرية في كتبهم عند الحديث عن الحرية في مقابل العبودية، فعدوا أن الأصل في الإنسان أن يكون حراً، فلا يجوز بيعه، ولا تسقط عنه عقوبة حر فيما إذا شك في رقيته. وهو أصل موضوعي مقدم على أصالة البراءة وغيرها من الأصول الحكمية.



31



وفي الحدائق أن هذه الأصالة متفق عليها نصاً وفتوى، قال البحراني:

وقد وقع في عبائر بعض الأصحاب أنه لا يقبل ادعاء الحرية من المشهور بالرقية، وفيه اشكال، لأن مجرد الشهرة لا تعارض أصالة الحرية المتفق عليها نصاً وفتوى5.

بل استظهر بعضهم أنها مجمع عليها، فقال:

والظاهر أن أصالة الحرية مجمع عليها بين الأصحاب 6.

وبملاحظة ما قدمناه من عدم الفرق بين الحريات إلا بنوع القيد، فإن ما يقال في الحرية في مقابل القيد المعنوي الرق يقال في الحرية مقابل القيود الأخرى، المادي والأخلاقي والسياسي والفكري... إلخ.

من هنا يمكن القول بأصالة الحرية بقول مطلق لا يختص بحال الشك في العبودية. بل إن عبارة السيد الخوئي المتقدمة تشير بوضوح إلى عموم هذه الأصالة، حيث تحدث عن التصرفات، والفعل والترك.

وقد استدلوا على هذه الأصالة بروايات منها على سبيل المثال:

صحيحة العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مملوك ادعى أنه حر ولم يأت ببينة على ذلك، أشتريه؟ قال: "نعم"7

وعن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:



32



كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إن الناس كلهم أحرار إلا من أقر على نفسه بالعبودية وهو مدرك من عبد أو أمة ومن شهد عليه بالرق صغيراً كان أو كبيراً8.

وفي خبر حمزة بن حمران "قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أدخل السوق فأريد أن أشتري الجارية فتقول: إني حرة، فقال: اشترها إلا أن تكون لها بينة"9.

الأدلة الاجتهادية

الإسلام بنى تشريعاته المختلفة على مبدأ حرية الإنسان، فأطلق له العنان، ورفض استعباده كما رفض تقييده بأي قيد يتنافى مع حريته كإنسان.

وما شرع في الإسلام من تشريعات مقيدة لحرية الفرد إنما هو نابع من أصل مبدأ الحرية، وذلك على قاعدة أن حرية الإنسان ككل مقدمة على حرية الفرد، ولكي تتم مراعاة حرية الإنسان ككل لا بد من وضع قيود للفرد. إذاً لا تنافي بينها وبين الحرية الإنسانية.

ولا يخفى أن للحرية في الإسلام بعدين ؛ بعد في مقابل القيود المعنوية التي تقيد النفس البشرية كالطمع والهوى وآخر في مقابل القيود الاعتبارية التي يفرضها التشريع كالوجوب والحرمة.



33



أما فيما يختص بالرق فالإسلام لم يشرع الرق، وإنما وجده واقعاً فرضته الأمم على نفسها فعمل على تنظيمه للتخلص منه تدريجياً.ولهذا الموضوع بحث مستقل ليس هنا محله.

والذي يدل على أن الإسلام بنى تشريعاته على مبدأ حرية الإنسان في الإرادة والفكر والقول والفعل دليلان اثنان:

الأول: العقل

الثاني: النقل بما يشمل الكتاب والسنّة.

أما الإجماع فقد ثبت في علم الأصول أنه لا حجية له إلا إذا كان كاشفاً عن رأي المعصوم، فيعود في جوهره إلى السنّة، لذا سنضرب عنه صفحاً.

الدليل العقلي

يمكن تلخيص الدليل العقلي بثلاث مقدمات بديهية:

الأولى: أننا نشاهد في هذا العالم اختلافاً واسعاً بين الكائنات، وبين البشر أنفسهم، وتعدداً في الماهيات الكونية وفي طباع البشر وأشكالهم ولغاتهم وألوانهم وأخلاقهم إلخ.

الثاني: أن التعدد التكويني يستلزم بالضرورة تعدداً في اعتقادات البشر وميولهم وأفكارهم لما بينهما من ربط طبيعي. وقد ثبت في محله تأثير الأمور التكوينية على النفس في أفعالها وطباعها10.



34



الثالثة: أن التعدد التكويني في الاعتقادات والميول والأفكار ليس عبثياً، بل لا شيء في هذا الوجود عبثي، ما يعني أن له دوراً في حياة البشر لا يمكن إهماله بالكلية كما لا يمكن تركه دون ضبط، إذ الحالتان تسببان للبشرية ما لا يقبل به الشارع من الضيق والفوضى. وهذا يستلزم أن يكون التشريع متناسباً معهما، وهو معنى الحرية في اختيار المناسب لكلٍ بحسبه.

قال الشيخ محمد مهدي شمس الدين:

من المعلوم البديهي أن الخالق والمشرع واحد، وهو الذي خلق الكائنات بتنوعها وتعددها، خلق الأطباع والأذهان أيضاً متنوعة ومختلفة في ما تشتمل عليه، وما تحتويه من أفكار وآراء. من هنا كان من غير المعقول أن لا يلحظ هذا التنوع فيها، ويتعامل معها كأنه غير موجود أو أن يشرع ما يتنافى معه، ويقسر الناس على فكر واحد، بل ترك لهم المجال رحيباً للجولان في كل معالم الفكر ليصلوا من تلقاء أنفسهم إلى الحق والواقع الواحد، وهذا لا يتم بحال من الأحوال عن طريق قمع الفكر ومصادرته، وإجباره على ما لا يتلاءم مع طبيعته. لكل هذا كان في الإسلام، وهو تشريع الله الأكمل، مجال واسع لتعدد الفكر، كخطوة أولى وضرورية على طريق الاقتناع بما هو صواب، وللوصول إلى الهدف الأسمى الذي يريدهم أن يصلوا إليه11.



35



الدليل النقلي / القرآن الكريم

حفلت السور القرآنية بالعديد من الآيات التي تتحدث عن الحرية وضرورة كون الإنسان مطلق العنان في ما يفعله، وما يقوله، وما يعتقده، فلقد عبر القران الكريم في آيات عديدة عن نماذج مختلفة من الحوار بين الخالق والمخلوق كما تحدث عن الحوار بين المخلوقين أنفسهم كدعوة الأنبياء والرسل صلى الله عليه وآله وسلم لبني قومهم، أو الأقوام الآخرين.

والإسلام لم يشذ عن تلك القاعدة إلى الحد الذي أظهر عظمة الطرح الإنساني في الآية الكريمة:

﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ﴾12.

وعن حرية التدين يقول الله تعالى:

﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾13.

جاء في مجمع البيان , في معرض الحديث عن سبب نزول هذه الآية أنها نزلت في رجل من الأنصار يدعى أبا الحصين. وكان له ابنان، فقدم تجار الشام إلى المدينة، يحملون الزيت. فلما أرادوا الرجوع من المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية، فتنصرا، ومضيا إلى الشام. فأخبر أبو الحصين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.



36



فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أبعدهما الله !هما أول من كفر.

فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي، حين لم يبعث في طلبهما.

وقال تعالى: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾14.

﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾15.

﴿ فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر﴾16.

﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله﴾17.

﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾18.

وتشترك هذه الآيات في قاسم واحد وهو أنها تتحدث عن ضرورة عدم فرض الرأي والعقيدة على الغير، وضرورة سلوك مسلك آخر للوصول إلى الهداية ألا وهو مسلك الإقناع بالحوار والمجادلة.

ففي ظل الإسلام، وعلى الرغم من اعتماده صيغة الدين الواحد ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾, لا تُلغى الديانات الأخرى، ولا يُحظر وجود سائر المبادئ والملل، بل يخاطبهم القرآن الحكيم معترفاً بوجودهم، وتاركاً لهم حرية اختيارهم.

فإن مبدأ الدين الواحد لا يعني الفرض، وإنما يعني أن الحق واحد،




37



وهو الدين الذي يريد الله تعالى من البشر أن يعتنقوه. أما إذا رغبوا عنه جهلاً أو عناداً، فلا يعني ذلك، بأي حال من الأحوال، جبرهم عليه، وفرضه عليهم بالقوة والقهر.

ومع وجود عقائد ومذاهب واتجاهات فكرية مخالفة، لم يفرض الإسلام على أحد الإذعان له دون اقتناع، ولم يُكره أحداً على اعتناقه بالقوة، بل جعل المبدأ الأساسي عدم مشروعية الإكراه في الدين، ولم يشرع أي عمل من شأنه إكراه غير المسلمين على اعتناقه، لهذا نرى أن دار الإسلام تتسع لغير المسلمين، وهم يتمتعون فيها بالحقوق السياسية والإنسانية الكاملة.

وهذا المبدأ هو الذي طبقه الرسولصلى الله عليه وآله وسلم، فإنه لما ظفر بأصحاب بدر، وكانوا مشركين، لم يقتلهم بل أخذ منهم الفداء، وتركهم على شركهم، فلم يجبرهم على الإسلام، وكذلك فعل بأهل مكة فإنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء. فلم يقتلهم، ولم يجبرهم على الإسلام، وكذلك صنع بأهل حنين.. إلى غير ذلك مما لا يخفى على من له أقل إلمام بتاريخ الرسول.

وتعهد صلى الله عليه وآله وسلم لنصارى نجران بضمان حريتهم الدينية في عباداتهم وشعائرهم، كما جاء في نص معاهدته لهم، حيث كتب إلى الأسقف أبي الحارث وأساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم "أن لهم على ما تحت أيديهم من قليل وكثير من بيعهم وصلواتهم ورهبانيتهم وجوار الله ورسوله لا يغير أسقف عن أسقفيته ولا راهب عن رهبانيته ولا




38



كاهن عن كهانته ولا يغير حق من حقوقهم ولا سلطانهم ولا شيء مما كانوا عليه ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم ولا ظالمين"19 .

إذاً، لماذا حارب رسول الله الشرك، ولم يقبل من المشركين إلا أن يسلموا أو يقتلوا؟

والجواب: إن مشركي مكة بالخصوص وقفوا في وجه الدعوة إلى الإسلام، ومنعوا النبي من نشر دعوته بالقوة، واضطروه إلى الهجرة والخروج من مكة، ثم لم يكتفوا بذلك حتى هدموا دور المهاجرين، ثم خرجوا إليه ببدر لقتاله، وحاربوه بكل ما أوتوا من قوة، وألَّبوا عليه القبائل، ولو أنهم تركوه، ولم يتعرضوا عليه لما قاتلهم.

فهم بعملهم هذا يقفون حائلاً دون ممارسة الآخرين لحرية المعتقد، إذاً، فهو هنا يحارب القمع والقهر ورفض الحرية، ويؤسس لحرية المعتقد، وليس العكس.

وقد كانت الجزيرة مليئة بالكفار من أهل الكتاب وغيرهم، ومع ذلك لم يقاتل إلا من وقف في وجه الدعوة، فأراد القتال، أو ناصب العداء، أو أعان على قتال، أو نكث العهد.




39



وهنا يتولد سؤال آخر يقول:

ألا يمنع الإسلام نشر العقائد المخالفة له؟ فلماذا يُقبَل ذلك منه، ولا يُقبَل من غيره؟

والجواب: هنا يختلف الحال بين العقيدتين، فهناك عقيدة تفيد الناس لا يقف الإسلام في وجه نشرها، وأخرى تضرهم، لا بد له أن يحميهم منها بحكم انتمائهم إليه ودخولهم في حوزته ما يرتب عليه مسؤولية حمايتهم مما يضرهم. ألا ترى معي أن الإسلام لم يمنع النصارى واليهود من نشر عقيدتهم بالطرق السلمية الصحيحة غير المشتملة على الغش والخداع.

لماذا سمح لهم بعرض عقائدهم يا ترى؟

لسبب واحد، وهو أنهم يدعون إلى عبادة الله تعالى، وإن اختلف الإسلام معهم في الكثير من التفاصيل، فهناك مجال لتصحيح هذه الأخطاء الفرعية.
أما المشركون فهم يدعون إلى عبادة غير الله. وهذا خطأ أساسي وقاتل، ومعناه أنه لا مجال للوصول إلى الحق ما دام المبدأ خطأ.
إذا كان أحدنا يبحث عن بيت في حي معين، فمن الممكن أن يصل إليه إن هو أدام البحث لفترة من الزمن في ذلك الحي. أما إذا كان يبحث عنه في حي آخر غير الحي الذي يقع فيه، فلن يتمكن من الوصول إليه، ولو قضى عمره بالدوران والبحث عنه.




40



ويشهد لذلك أنه حينما قبل الإسلام بوجود سائر الأديان والاتجاهات ضمن مجتمعه وفي ظل دولته، فقد منحهم الحرية الكاملة في ممارسة شعائر أديانهم والقيام بطقوس عباداتهم، وتنفيذ تعاليمها وأحكامها، ولم يفرض عليهم شعائره وأحكامه، ولا تدخّل في شؤون أديانهم.

روى الكليني عن عبد الله بن سنان قال: قذف رجلٌ مجوسياً عند أبي عبد الله عليه السلام، فقال له: مه.

فقال الرجل: إنه ينكح أمه وأخته.

فقال الإمام: "ذاك عندهم نكاح في دينهم"20.

وفي كتاب غوالي اللآلي:

إن رجلا سب مجوسياً بحضرة الإمام الصادق عليه السلام فزبره ونهاه.

فقال له: انه تزوج بأمه.

فقال عليه السلام: "أما علمت أن ذلك عندهم النكاح؟"21

وفي رواية أخرى عن الصادق عليه السلام أنه قال لبعض أصحابه:

ما فعل غريمك؟.

قال: ذاك ابن الفاعلة!

فنظر إليه أبو عبد الله عليه السلام نظراً شديداً.

فقال: جعلت فداك، إنه مجوسي نكح أخته.




41



قال الإمام: أوليس ذلك من دينه النكاح؟22

وهذه النصوص تظهر روعة تسامح الإسلام وحمايته للحريات، فإنه لا يمنح الحرية لسائر الأديان في عباداتهم وأحكامهم فحسب، بل يدعو أتباعه إلى احترام تلك الأحكام، وعدم تعييرهم بها رغم فظاعتها في نظر العقلاء.
مرة سمع الإمام أبو جعفر الباقر عن تلميذه النبيه زرارة بن أعين، وهو يتحدث بحدة وتطرف عمن يخالف منهج أهل البيت عليهم السلام قائلاً: إنا نمد المطمار.

قال: وما المطمار؟ قلت: التُرُّ. فمن وافقنا من علوي أو غيره توليناه، ومن خالفنا من علوي أو غيره برئنا منه.

فقال له: يا زرارة قول الله أصدق من قولك، فأين الذين قال الله عز وجل:﴿ إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾?

أين المرجون لأمر الله؟

أين الذين خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً؟

أين أصحاب الأعراف؟

أين المؤلفة قلوبهم؟23

والمطمار بالمهملتين والتر بضم المثناة الفوقية والراء المشددة




42



هما خيط البنَّاء يشده على الحائط ليقوم اعوجاجه. يعني إنا نضع ميزاناً لتولينا الناس وبراءتنا منهم، وهو ما نحن عليه من التشيع، فمن استقام معنا عليه فهو ممن توليناه، ومن مال عنه وعدل، فنحن منه برآء، كائناً من كان. فرفض الإمامعليه السلام هذا المقياس، ولفت النظر إلى أربع مجموعات من البشر ليسوا على رأي زرارة، ولكن الله وعد في القرآن أن يدخلهم الجنة.

الدليل النقلي / السنّة الشريفة

تواترت الروايات التي تنص على أن الإنسان ولد حراً، ولا يحق لأحد سلبه حريته. وقد وردت الروايات بهذا المضمون عن مختلف الرواة بتنوع مذاهبهم.

ويمكن تقسيم النصوص الواردة في الحرية إلى طوائف، منها ما هو عام، ومنها ما هو وارد في موارد محددة:

الطائفة الأولى: ما تحدث عن الحرية في مقابل العبودية. ومنها:

ما في نهج البلاغة عن علي عليه السلام:

... ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً. وما خير خير لا ينال إلا بشر، ويسر لا ينال إلا بعسر24.




43



ومثله عنه عليه السلام:

أيها الناس، إن آدم لم يلد عبداً ولا أمة، وإن الناس كلهم أحرار25.

الطائفة الثانية: وهي ما تحدث عن الحرية من القيود المعنوية للنفس، ومنها:

ما عن الإمام علي عليه السلام: لا يسترقنك الطمع وقد جعلك الله حرا26.

وقوله عليه السلام: من قام بشرائط العبودية أهل للعتق، من قصر عن أحكام الحرية أعيد إلى الرق27.

وعن الإمام الصادق عليه السلام: إن صاحب الدين... رفض الشهوات فصار حرا 28.

كذلك عنه عليه السلام: من ترك الشهوات كان حراً29.

وعنه عليه السلام:

إن الحر حر على جميع أحواله، إن نابته نائبة صبر لها، وإن تداكت عليه المصائب لم تكسره وإن أسر وقهر واستبدل باليسر عسراً، كما كان يوسف الصدّيق الأمين صلوات الله عليه لم يضرر حريته أن استُعبد وقُهر وأُسر30.



44



الطائفة الثالثة: ما ورد في مواقف خاصة تدل على حرية الرأي أو الموقف:

فعن الحرية السياسية جعل الإسلام للمسلم حق اختيار الحاكم، ومناقشته، والاعتراض على ما لا يقبل من تصرفاته، وحق عزله. وحفل التاريخ الإسلامي بنماذج من الاعتراض على الحاكم تعد غاية في الرقي والتطور، ففي غزوة بدر نزل رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلمعلى أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة، فأشار عليه الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح بغير ذلك، وقال لرسول الله:

أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله، فليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: بل هو الرأي والحرب والمكيدة.

فقال: يا رسول الله، إن هذا ليس لك بمنزل، فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله ونغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضاً، فنملؤه ماء، فنشرب ولا يشربون.

فاستحسن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمذلك من رأيه، وفعله31.

وفي مبسوط السرخسي:

روى أن المشركين أحاطوا بالخندق، وصار المسلمون كما قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾، فبعث رسول الله



45



صلى الله عليه وآله وسلم إلى عبيدة بن حصن، وطلب منه أن يرجع بمن معه على أن يعطيه كل سنة ثلث ثمار المدينة، فأبى إلا النصف.

فلما حضر رسله ليكتبوا الصلح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام سيد الأنصار سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، رضي الله عنهما، وقالا:

يا رسول الله، إن كان هذا عن وحي فامض لما أمرت به، وإن كان رأياً رأيته فقد كنا نحن وهم في الجاهلية، لم يكن لنا ولا لهم دين، فكانوا لا يطمعون في ثمار المدينة إلا بشراء أو قرى، فإذا أعزنا الله بالدين، وبعث فينا رسوله نعطيهم الدنية؟ لا نعطيهم إلا السيف32

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة، فأحببت أن أصرفهم عنكم، فإذا أبيتم ذلك، فأنتم وأولئك. اذهبوا فلا نعطيكم إلا السيف32.

فقد مال رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم إلى الصلح في الابتداء لما أحس الضعف بالمسلمين، فحين رأى القوة فيهم بما قاله السَعدان، رضي الله عنهما، امتنع عن ذلك.

كل هذا كان يهدف إلى التهذيب والتربية لأصحابه على مبدأ قبول الرأي المخالف، والذي حرص الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على تعليمه لأصحابه، فظهر من جراء ذلك نماذج إنسانية رائعة عملت بهذا المبدأ وتواصت به. فهذا الإمام علي عليه السلام يوجه ولاته المعينين على




46



الأقاليم إلى ضرورة التعامل مع الآخرين عبر السماع لهم، والعمل من أجلهم، فهم في رأيه المستنير إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق33.

وما موقفه من الخوارج والسماح لهم بطرح آرائهم وحرية عبادتهم وإقامتهم ما لم يبلغ ذلك سفك الدم إلا الصورة المضاءة للإسلام في الوقت الذي كان يعمل فيه آخرون ممن عمل في زمانه والأزمنة التي تلت ذلك من حكام ومتسلطين ومدعي الفكر على كم أفواه مخالفيهم ومعاقبتهم بشتى أنواع العذاب لرأي قالوه أو طريق آخر سلكوه.

خاتمة

وهكذا نرى، في هذه العجالة، أن الإسلام لم يلتزم في موضوع الحرية الإنسانية سوى قيد واحد، ألا وهو قيد العبودية لله تعالى. وبنى مجمل تشريعاته على مبدأ الحرية في الفكر والقول والفعل والإرادة ما لم يخرج الإنسان عن دائرة العبودية لله.

وما الأحكام الإلزامية التي فرضها التشريع الإسلامي على بني البشر سوى تنظيم لمبدأ الحرية ليتمكن الجميع من الاستفادة منه على أفضل وجه.
أرجو أن أن أكون قد وفقت لتقديم لمحة موجزة عن المباني الفقهية للحرية في الإسلام. والحمد لله رب العالمين.




47





هوامش



1- قسم الغرب الحريات إلى قسمين:
احدهما: الحرية في المجال الشخصي للإنسان، وهي ما تطلق عليه الديمقراطية اسم: الحرية الشخصية.
والآخر: الحرية في المجال الاجتماعي، وهي تشمل الحريات: الفكرية والسياسية والاقتصادية.
فإن الحرية الشخصية تعالج سلوك الإنسان بوصفه فرداً سواء كان يعيش بصورة مستقلة أو جزءاً من مجتمع. وأما الحريات الثلاث الأخرى فهي تعالج الإنسان بوصفه فرداً يعيش في ضمن جماعة، فتسمح له بالاعلان عن افكاره للآخرين كما يحلو له، وتمنحه الحق في تقرير نوع السلطة الحاكمة، وتفتح أمامه السبيل لمختلف ألوان النشاط الاقتصادي تبعاً لقدرته وهواه.
2- كما قد يستفاد من كلمات السيد محمد باقر الصدر. المدرسة الإسلامية، ص 109.
3 - ترى الحضارة الغربية أن الحرية هي ايمان الإنسان بسيطرته على نفسه وامتلاكه لارادته بعد أن رفض خضوعه لكل قوة. فلا تعني الحرية في الديمقراطية الرأسمالية: رفض سيطرة الآخرين فحسب، بل تعني اكثر من هذا سيطرة الإنسان على نفسه. راجع المدرسة الإسلامية، ص 108.
4 - الخوئي، السيد ابو القاسم، مستند العروة، كتاب النكاح، ج2، ص 76 – 77.
5- المحقق البحراني، الحدائق الناضرة -،ج 19، ص 389 – 390.
6- الحسيني المراغي، العناوين الفقهية، ج 2، ص 736.
7- العلامة الحلي، تذكرة الفقهاء ط.ج، ج 10 - ص 307.
8 - الكليني، الكافي، ج 6، ص 195.
9- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 13: الباب 5 من أبواب بيع الحيوان، ح 2.
10- راجع تاريخ المسعودي ج2، ص 97، وص 123.
11 - من مقدمة له رحمه الله لكتاب التعددية الدينية في الإسلام للشيخ حسن الصفار.
12 - سورة سبأ، آية 24.
13- سورة البقرة، آية 256.
14- سورة الكافرون، آية 6.
15- سورة النحل، آية 125.
16 - سورة الغاشية، آية 22.
17- سورة آل عمران، آية 64.
18- سورة العنكبوت، آية 46.
19- الطبقات الكبرى، مصدر سابق، ج 1، ص 266.
20- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج5، ص 547.
21- الإحسائي، ابن أبي جمهور، غوالي اللآلي، ج3، ص 514.
22- المغربي، القاضي النعمان، دعائم الإسلام، ج 2، 458.
23- الكافي، مصدر سابق، ج2، ص 382.
24- نهج البلاغة، من وصية له عليه السلام لابنه الحسن، ج 3، ص 37.
25- الكافي، ج8، ص 69.
26- الليثي الواسطي، علي بن محمد، عيون الحكم والمواعظ، ص 528.
27- المصدر السابق، ص 584.
28 - ميزان الحكمة، ص 584.
29- الحراني، الحسن بن شعبة، تحف العقول، ص 89.
30- الكافي، مصدر سابق، ج2، ص89.
31- ابن عبد البر، الدرر، ص 105.
32- السرخسي، المبسوط، ج10، ص 87.
33 - نهج البلاغة، من عهد الإمام علي لمالك الأشتر.




يتبع

الرد مع إقتباس